دخول

لقد نسيت كلمة السر

عدد الزوار لهذا المنتدى
Visitor Counter
Visitor Counter

بحث في الصبر والشكر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

بحث في الصبر والشكر

مُساهمة من طرف عصام طلعت في الجمعة أكتوبر 22, 2010 11:28 pm

المقدمة
الحمد لله أهل الحمد والثناء التفرد برداء الكبرياء, المتوحد بصفات المجد والعلاء المؤيد صفوة الأولياء بقوة الصبر على السراء والضراء والشكر على البلاء والنعماء والصلاة على سيد الأنبياء وعلى أصحابه سادة الأصفياء وعلى آله قادة البررة الأتقياء صلاة محروسة بالدوام من الفناء ومصونة بالتعاقب عن التصرم والانقضاء.
فلما كان الإيمان نصفان فنصف صبر ونصف شكر كان حقيقا على من نصح نفسه وأحب نجاتها وآثر سعادتها ألا يهمل هذين الأصلين العظيمين وان يجعل سيرة إلى الله عز وحل في هذين الطريقين القاصدين ليجعله الله يوم القيامة مع خير الفريقين.


الصبـــر
الصبر لغة:
الصبر في اللغة الحبس.. وكل من حبس شيئاً.. فقد صبر سمي رمضان شهر الصبر إذ أن الصابر حابس لنفسه عما تنازع إليه من المشتهيات والشكوى والآلام.
وسمي الصابر على الفاجعات صابراً، لأنه قد حبس نفسه عن الجزع(1) وبهذا المعني يكون الصبر بما يأمر به العقل وما تهدف إليه الحكمة وهذه نظرة عميقة لمفهوم الصبر غير النظرة الساذجة التي يراها أصحاب التحليل النفسي حيث أن الصبر نوع من الكبت وان جوهر الكبت يكمن في تجنب ما هو مؤلم وان مصدره صراع بين رغبات وأهواء متضادة متضاربة تؤدي إلي الكبت(2).
الصبر شرعا:
هو حبس النفس عن الجزع واللسان عن التشكي والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب ونحو ذلك.
ولا شك أن موافقة الأهواء تبعد الإنسان عن الصبر لكن الإنسان العاقل يفضل فوائد الصبر – وما يثمره من الخير عاجلا أو آجلا على مثالب الهوى وما يجلب من الشر والرذائل تصديقا لقوله تعالى: ( وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) [الكهف : 28]
إذاً موقف الصابر موقف واع .. وطريق اختياري يفضل فيه تحمل المكابدة على مقارفة الهوى.
وإذا قورنت فضائل العقل – الذي يأمر بالصبر – بالهوى ظهر لنا خساسة الهوى الذي ينهي عن الصبر.
والصبر بهذا المعنى في أرقى صورة وأجمل معانيه يدل على أحوال منه:
1- صبر على المحبوب أي صبر على بعد المحبوب وعدم الاعتراض عليه والمحبوب هنا هو الحق تعالى.
2- صبر على المكروه أي صبر على ما يعانيه الصابر من آلام وتحمل الفاجعات وكبت الغيظ وهي الامتحانات. والاختبارات. والابتلاءات التي يجرب الله بها الصابر ليتعرف على جهاده في سبيله والعمل على مرضاته.
ولا تتم الطاعة لله إلا بالصبر فالطاعة مفتقرة إلى الصبر لتكون متوجه لله حقا على الوجه الأكمل كما أن تجنب المعصية يحتاج أيضاً إلى الصبر ليتغلب الإنسان عليه.
الصبر إذنً تحمل من اجل غاية نبيلة ليتحقق للصابر من الله أملا عظيماً تصديقاً لقوله تعالى: (وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ) [النحل : 126] وقوله تعالى: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ) [فصلت : 35] وقوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) [غافر : 55] وقوله تعالى: (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [الشورى : 43] وقوله تعالى: (وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً) [آل عمران : 120]
والصابر ليس متوجسا.. أو خائفا.. أو كاتما لطاقه شهوية تريد الانطلاق بدون وعي إذا وجدت مثيرا خارجيا أو ظروفا مناسبة إنما الصابر واع لما يفعل.. يفطن لسيره عارف لثمراته يتحمل في سبيل الله ثقة به ورجاء فيه تعالى: (إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [صـ : 44]
الجَزِع غير الصابر والكابت غير الصابر:
فالكابت يحمل نفسا مريضه يخاف أن تفضحه وتكشف عن نزعاته الشهوية وأهوائه المتقلبة وربما وقع في العلل والأمراض وما يسمي بالأمراض الهستيرية كنتيجة لكبت دوافعه العدوانية أو الشهوانية
كما أن الكابت لا يتحمل(1) شيئا لأنه كالوتر المشدود مرتابا.. قلقا.. خائفا يحيا في الهم والغم متشائما يري الحياة بمنظار شديد السواد.
إما الصابر فهو قوي بالله..ومن الله.. وفي الله.. ولله يتحمل في جلد ويقوى بعون الله على أعدائه:
(وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ) [الأنفال : 65]
والصبر تحمل ومكابده ومعاناة لشتى أنواع الابتلاءات وهي اختبارات تحتاج من المرء إلى الكظم والتوكل والرضا في جميع الأحوال بل يحتاج إلى علم إذ الجاهل لا يتحمل شيئا وإنما يختار الأيسر والأسهل أو يهرب مما يحاصره من دوافع خوفا وهلعا من وقوعه تحت طائلة القانون إذا فضحته نفسه أو خشية انكشاف أمره فيحتكره المجتمع وتتنصل منه الجماعة فهو يكبت ليهرب من النزعات والصراعات فإذا وجد بابا لاستظهارها انفجرت المكبوتات في صور ضروب من الأفعال الشاذة والنشاط التدميري والسلوك الانحرافي
الصبر إذا ليس نوعا من الكبت الذي يخفف المرء فيه عما يقاسيه بكبته في اللاشعور إذن هو عمليه هروب مستمرة ودائمة إذا كان ليس هناك ما يصبر عليه وما يجب تحمله إذ هو فرار من الوعي إلى اللاوعي أما الصابر واعي لكل ما يفعل ومدرك لما يصبر عليه تصديقا لقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ) [محمد : 31] – وقوله تعالى: (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ) [البقرة : 177]
فالصبر علم ثم انه جهاد ومعاناة ومكابده في سبيل الحق والصابر صادق: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) [آل عمران : 17]
الصابر راضٍ بما يأته من خير أو شر:
الصابر ليس مستذلا ولا مكبوتا ولا جزعا إنما هو متوكل على الله، فلقد أوذي يوسف عليه السلام من إخوته والقوه في الجب وصبر والده يعقوب عليه السلام على فقده صبرا جميلا رغم معرفته اليقينية وعلمه اللدني الذي وهبه تعالى إياه بأن أولاده جاهلون وكاذبون وإنما ادعوه افتراء فقال لهم كما ورد في الآية الكريمة: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْراً فَصَبْرٌ جَمِيلٌ) [يوسف : 18]
ثم ابتلي بفقد ابنه الآخر بنيامين فلم يتزعزع إيمانه ولم يضعف عزمه ولم يتشكك لحظه في ربه وإنما كان واثقا كل الثقة في رحمة الله وقال عليه السلام كما ورد عن عز من قائل: (فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعاً) [يوسف : 83]
لم ييأس يعقوب عليه السلام من امتحان الله بفقد ابنيه ولم يقنط من رحمة الله ولم يعترض على حكمه تعالى إنما كظم غيظه وصبر على بلائه إذ أيقن إن ذلك مشيئة الله وحكم الله وقضاء الله: (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ) [يوسف : 84]
كما انه لم يشكو لأحد من الناس..ولم يتبرم.. ولم يتحسر.. ولم يتشفع عند احد ، لأنه يعلم أن الناس جميعا لا يستطيعونه له نفعا ولا ضرا إلا ما كتبه الله له فتوجه إلى الله توجه العبد الصادق ليبث إليه حزنه ويتضرع إليه مناجيا واثقا من نصرته فيقول: (إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [يوسف : 86]
واستجابت السماء لهذا النداء.. وانهالت المنن والمملا على النبي يعقوب عليه السلام – وجاءت رحمة الله بعد رحلة المكابدة والمعاناة وتحمل الفاجعات والصبر على الابتلاءات وبشر من الله بعودة الحبيب إلى حبيبه بعد طول غياب: (قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ) [يوسف : 94]
ثم تتابع المبشرات ويحظى بقرب عليه السلام بالنعم الإلهية كثمرة لبره، ومثابة لتحمله، وجزاء لصدقه وتوكله.. لقد رجع إلى يعقوب عليه السلام في غمرة البشرى باللقاء الموعود نور عينه.. بلا علاج ولا دواء كأنه لم يمرض ابد، ولم يكابد صبرا، ولم يتحمل كظما.. وكأن قلبه لم يتفطر ألما وحزنا: (فَلَمَّا أَن جَاء الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيراً) [يوسف : 96]
ثم أخذ يذكر أولاده بقوله السابق عند البلاء.. عسى أن يكون ذلك عبرة وتذكره، وهو مطمئن النفس.. ساكن القلب: (أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ) [يوسف : 96]
بالصبر تتحقق الصحة النفسية:
الصبر إذن ثمرات رائعة، ونتائج يانعة، إذ انه طريق للصحة النفسية(1) في الدنيا والآخرة، وليس دليلا على الحقد والكراهية وكبت الاعتداء، والهروب من الفاجعات.. وستر النزعات والشهوات.. بل الصبر دليل على التحمل للأذى، والرضا بالقضاء، والمعاناة في سبيل أمل عظيم بامتحان قاس، يريد الصابر به أن يجتاز المحنة لينال ثواب الله فضلاً من الله ومنة: (سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد : 24]
كما أن الصابر عارف بالله عالم بفضله تعالى إذ لا يعقل أن يصبر إلا الواعي(1) والعارف بما يصبر عليه فليس ما يقوله فرويد وتلامذته بصحيح من أن هناك صراع من اجل تحقيق اللذات والشهوات وتجنب المستكرهات وان هذا الصراع إما أن تكبته البيئة أو تعطي الفرد(2) الفرصة لإشباعه وتنفيذ نزعاته وتحقيق شهواته
ليس بصحيح إذن ما يدعيه أصحاب التحليل النفسي من هروب الناس جميعا إلى كبت دوافعهم العدوانية والشهوانية وهذا الفرض لا تؤيده أي أساليب منطقيه أو أسباب مقبولة عقليه إذ أن الإنسان مسئول عن نفسه وعليه أن يختار طريق الخير أو الشر فإما إن يختار الصبر في سبيل الله أو الكبت وهو غفلة من الله(3) ثم إن هناك في آخر الأمر جزاء من الله حسب الإخلاص في الأعمال فإما يكون بالنعم والمنن الإلهة أو التندم والعزاب الأخروي
والله سبحانه وتعالى يأمر الناس باتباع الطريق القويم والصراط المستقيم ويبين لعباده أن الصبر الجميل أفضل طريق للإنسان في الدنيا والآخرة: (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) [المعارج : 5] أيضاً: (وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) [البلد : 17] – (وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر : 3]
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم في نصيحة لغلام منها: (واعلم أن في الصبر على ما تكره خيراً كثيراً وان النصر مع الصبر وان الفرج مع الكرم.. وان مع العسر يسراً(4))
والصبر كما يرشدنا إليه علي كرم الله وجه هو بمثابة الرأس من الجسد فإذا فارق الرأس الجسد.. فسد الجسد.. كذلك الصبر في الأمور فإذا فارق الصبر الأمر فسدت الأمور(1)
ولقد أتى رجل إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله ذهب مالي.. وسقم جسمي.. فقال صلي الله عليه وسلم: لا خير في عبد لا يذهب ماله ولا يسقم جسمه ان الله تعالى اذا أحب عبدا ابتلاه وإذا ابتلاه صبره(2)
فالواجب على العبد أن يصبر على ما يصيبه من الدنيا وذلك لتنقية قلبه من الشوائب وصقل معدن نفسه من الاعتراض كما عليه إن يوقن من أن الصبر اختبار يجريه الله له وامتحان يدخله ليعرف به درجته ومقامه كما عليه أن يثق في أن الله قبل أن يبتليه قد تلطف معه.. وانه تعالى قد دفع عنه من البلاء أكثر مما إصابة وعليه أن يحمله على ذلك كما إن يقتضي الصابر بالرسول صلى الله عليه وسلم في صبره على أذى المشركين.
وبذلك يكون الصبر وسيله ناجحة لعلاج النفس البشرية من آفاتها إذ هو عمليه تخليه وتحليه بإرشاد رباني وتوجيه رحماني والصبر تخليه من العدوان وسلب لنزعات النفس الشهرية كما انه تحليه للنفس بالصفح الجميل وعدم رد الأذى والبعد عن الآفات وبذلك تتحقق بالصبر الصحة النفسية التي ينشدها كل إنسان.
ذو الخلق الحسن:
أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الماوالل، قليل الفضول، براً وصولاً، وقوراً، صبوراً، شكوراً، رضياً حليماً، وفياً عفيفاً لا لعاناً ولا سباباً ولا نماماً ولا مغتاباً ولا عجولاً ولا حقوداً ولا بخيلاً(3).
فمن محاسن أخلاق المسلم التي يتحلى بها الصبر واحتمال الأذى في ذات الله تعالى فالصبر هو حبس النفس على ما تكره أو احتمال المكروه بنوع من الرضا والتسليم
مع الصبر الأجر ومع الجزع الوزر:
فالمسلم يحبس نفسه على ما تكرهه من عباده الله وطاعته ويلزما بذلك إلزاما ويحبسها دون معاصي الله عز وجل فلا يسمح لها باقترابها ولا يأذن لها في فعلها مهما تاقت لذلك بطبعها وهشت له ويحبسها على البلاء إذا نماوال بها فلا يتركها تجزع ولا تسخط إذ الجزع كما قال الحكماء على الفائت آفة وعلى المتوقع سخافة والسخط على الأقدار معاتبه لله الواحد القهار وهو في كل ذلك مستعين بذكر الله تعالى بالجزاء الحسن على الطاعات وما اعد لأهلها من جزيل الأجر وعظيم الثمرات وبذكر وعيده تعالى لأهل بغضته وأصحاب معصيته من أليم العذاب وشديد العقاب ويتذكر أن أقدار الله جاريه وان قضائه تعالى عدل وان حكمه نافذ صبر العبد ام جزع غير انه مع الصبر الأجر ومع الجزع الوزر.
ولما كان الصبر وعدم الجزع من الأخلاق التي تكتسب وتنال بنوع من الرياضة والمجاهدة فالمسلم بعد افتقاره إلى الله تعالى أن يرزقه الصبر فانه يستلهم الصبر بذكر ما ورد فيه من أمر وما وعد عليه من اجر كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران : 200] - وقوله: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ) [البقرة : 45] – وقوله: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ) [النحل : 127] – وقوله: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لقمان : 17] – وقوله: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) [البقرة : 155 – 156 - 157] – وقوله: (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل : 96] – وقوله: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر : 10] – وقوله: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة : 24].
وكقول الرسول صلى الله عليه وسلم: ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله ومن يصبر يصبره الله وما أعطى احد عطاء خيرا وأوسع من الصبر ويقول النبي صلى الله عليه وسلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وان أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وقوله صلى الله عليه وسلم لابنته وقد أرسلت إليه تطلب حضوره إذ ولدها قد احتضر فقال لرسولها اقرأها السلام وقل لها أن لله ما اخذ وله ما أعطي كل شيء عنده بأجل مسمي فالتصبر ولتحتسب وقوله عليه السلام ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حطي يلقى الله وما عليه خطيئه.
احتمال الأذى:
وأما احتمال الأذى فهو الصبر ولكنه أشق وهو بضاعة الصديقين وشعار الصالحين وحقيقته أن يؤذي المسلم في ذات الله تعالى فيصبر ويتحمل فلا يرد السيئة بغير الحسنه ولا ينتقم لذاته ولا يتأثر لشخصيته مادام ذلك في سبيل الله ومؤديا إلى مرضات الله وأسوته في ذلك المرسلون الصالحون إذ ينضر من لم يؤذ منهم في ذات الله ولم يبتل في طريقه إلى الوصول إلى الله قال عبد الله بن مسعود رضيا الله عنه كأني انظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبي من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ضربه قومه فأدمه وهم يمسح الدم عن وجهه يقول اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون
صور ناطقة وأمثلة حية من الصبر وتحمل الأذى:
قال خباب بن الأرت رضي الله عنه شكوني إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردى له في ظل الكعبة فقلنا ألا تنتصر لنا ألا تدعو لنا فقال قد كان من قبلكم يأخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجل فيها ثم يأتي بمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه ما يصد ذلك عن دين الله
وقص الله لنا عن المرسلين وحكى عنهم قولهم وهم يتحملون الأذى فقال: (وَمَا لَنَا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) [إبراهيم : 12]
وكان عيسى بن مريم عليه السلام يقول لبني إسرائيل لقد قيل لكم من قبل أن السن بالسن والأنف بالأنف وأنا أقول لكم لا تقاوموا الشر بالشر بل من ضرب خدك الأيمن فحول إليه الخد الأيسر ومن أخذ منك ردائك فأعطه إزارك.
وكان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون ما كنا نعد إيمان الرجل إيماننا إذا لم يصبر على الأذى.
الصبر والحلم:
الصبر: هو أن يضبط المرء قوة النفس عن أن يقهرها في ألم ومكروه ينماوال بالإنسان ويلزمه في حكم العقل احتماله أو يقلبها حب مشتهى يتوقف الإنسان إليه ويلزمه في حكم العقل اجتنابه حتى لا يتناوله على غير وجهه.
وأما الحلم: فهو الإمساك عن المبادرة إلى قضاء الغضب فيمن يجنى عليه جناية يصل مكروهه إليه وقد يسمى هذا كرما وصفحا وعفوا تجاوزا وتثبتا واحتمالا وكظم غيظ.
الصبر وراحة البال:
وهو ألا تدع قوة التجلد عند ورود الأحداث المهمة على الانسان واجتلابها في قلبها أن يحاور ويدهش فيها بل يدعها إلى أن يستعمل الواجب في معناها وقد يسمى ذلك سعة الصدر.
الصبر في القران الكريم:
ورد الصبر في القرآن الكريم أكثر من مائة مرة بألفاظ مختلفة وهو من عزائم الأمور ومن أعظمها شأناً إذ بالصبر تحل كثير من المشاكل وبالصبر تواجه الشدائد والأزمات قال الله تعالى: (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [الشورى : 43].
وقد أوصى الله سبحانه وتعالى نبيه محمد عليه الصلاة والسلام بالصبر على كيد المشركين والمنافقين وأذاهم له وتكذبيهم إياه فقال سبحانه: (وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ) [يونس : 109]
وقال: (تِلْكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنتَ تَعْلَمُهَا أَنتَ وَلاَ قَوْمُكَ مِن قَبْلِ هَـذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ) [هود : 49]
وقال: (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [هود : 115]
وقال: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ) [النحل : 127]
ويقول سبحانه وتعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاء اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى) [طه : 130]
وقال: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ) [الروم : 60]
وقال: (اصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [صـ : 17]
وقال: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) [غافر : 55]
وقال: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ) [غافر : 77]
وقال: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّن نَّهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ) [الأحقاف : 35]
وقال سبحانه وتعالى: (فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ) [قـ : 39]
وقال سبحانه: (وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ) [الطور : 48]
وقال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ * لَوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاء وَهُوَ مَذْمُومٌ * فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) [القلم : 48 – 49 - 50]
وقال: (فَاصْبِرْ صَبْراً جَمِيلاً) [المعارج : 5]
وقال سبحانه: (وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً) [المزّمِّل : 10]
وقال سبحانه: (وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ) [المدّثر : 7]
وقال: (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) [الإنسان : 24]
وقد أوصى الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بالصبر على الشدائد والصبر في الجهاد فقال سبحانه وتعالى: (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ) [البقرة : 45]
وقال سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة : 153]
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [آل عمران : 200]
وقال تعالى: (قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللّهِ وَاصْبِرُواْ إِنَّ الأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف : 128]
وقال تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال : 46]
والصبر من صفات عباد الله الأخيار فقد وصف الله به بعض الأنبياء وبعض المؤمنين من عباده فقد صبر الأنبياء على أذى قومهم وصبر المؤمنين على ما أصابهم من أذى في سبيل الله قال تعالى: (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ) [آل عمران : 16 - 17]
وقال تعالى: (وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ وَلَقدْ جَاءكَ مِن نَّبَإِ الْمُرْسَلِينَ) [الأنعام : 34]
وقال تعالى على لسان موسى عليه السلام مخاطباً الخضر عليه السلام: (قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً) [الكهف : 69]
وقال: (وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ) [الأنبياء : 85]
وقال: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [الحج : 35]
وقال سبحانه: (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) [الأحزاب : 35]
وقد ضرب إسماعيل عليه السلام مثلاً عظيماً في الصبر لأمر أبيه عندما أخبره أبوه إبراهيم(1) بأنه رأى في المنام أن الله قد أوحي إليه بأن يذبحه فدياً إليه سبحانه وتعالى فأجابه بالسمع والطاعة والصبر لحكم الله قال تعالى: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ) [الصافات : 102]
أما أيوب عليه السلام فإنه يعتبر نموذجاً فريداً في الصبر على البلوى واحتمال المصاعب وآلام المرض قال تعالى: (وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ) [صـ : 44]
ويمتحن الله عباده ليمحص الذين أمنوا ويمحق الكافرين ويعلم المجاهدين منهم والصابرين فيجزي كل منهم بعمله قال تعالى: (أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ) [آل عمران : 142]
وقد امتدح الله الصابرين من عباده ووعدهم بأن يحقق أملهم فيما يرجعونه من نصر وأن يفرج عنهم كربهم وأن يثيبهم على صبرهم وأن يكون معهم على عدوهم وأن يغفر لهم ويرحمهم ويجماوال الأجر والثواب ويحسن عاقبتهم ويكتب لهم الفوز بالجنة ويضاعف لهم حسناتهم ويسبغ عليهم من نعمته قال تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ * أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة : 155 – 156 - 157]
وقال: (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) [البقرة : 177]
وقال: (وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) [آل عمران : 146]
وقال سبحانه: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال : 46]
وقال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفاً مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ * الآنَ خَفَّفَ اللّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِئَتَيْنِ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُواْ أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) [الأنفال : 65 - 66]
وقال تعالى: (إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ) [هود : 11]
وقال سبحانه: (قَالُواْ أَإِنَّكَ لَأَنتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف : 90]
وقال سبحانه: (وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ * جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِم مِّن كُلِّ بَابٍ * سَلاَمٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ) [الرعد : 22 – 23 - 24]
وقال تعالى: (وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي اللّهِ مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ * الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل : 41 - 42]
وقال سبحانه: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ اللّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ) [النحل : 96]
وقال: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَاهَدُواْ وَصَبَرُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النحل : 110]
وقال: (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ) [المؤمنون : 111]
وقال سبحانه: (أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَاماً) [الفرقان : 75]
وقال سبحانه: (أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ) [القصص : 54]
وقال سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [العنكبوت : 59]
وقال: (وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً) [الإنسان : 12]
ومن صفات المؤمنين التواصي بالصبر إلى جانب التواصي بالحق والتراحم قال تعالى: (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) [البلد : 17]
وقال: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ [العصر]
ويدعوا المؤمنون ربهم أن يفرغ عليهم الصبر وأن يثبت أقدامهم قال تعالى: (وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُواْ رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة : 250]
وقال: (وَمَا تَنقِمُ مِنَّا إِلاَّ أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ) [الأعراف : 126]
الشكر
الشكر لغة:
ورد في مختار (الصحاح) الشكر: الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف وقد شكره يشكره شكراً ,وشكراناً أيضاً وبقال شكره وشكر له وهو باللام أفصح والشكران ضد الكفران وتشكر له مثل شكر له.
الشكر اصطلاحاً:
الشكر هو الثناء على المنعم ونقيضه الكفران والشكر إما بالقلب بأن يعتقد اتصاف المنعم بصفات الكمال وأنه ولى النعمة وإما باللسان بأن يثني عليه بلسانه وإما بالجوارح بأن يدئب نفسه في طاعته وانقياده.
وشكر العبد يدور على ثلاثة أركان(1) لا يكون شكراً إلا بمجموعها وهي:
1- الاعتراف بالنعمة باطناً.
2- التحدث بها ظاهراً.
3- الاستعانة بها على طاعة الله.
فالشكر يتعلق بالقلب واللسان والجوارح فالقلب للمعرفة والمحبة واللسان للثناء والحمد والجوارح لاستعمالها في طاعة المشكور وكفها عن المعاصي.
وقد قرن الله عز وجل الشكر بالإيمان وأخبر أنه لا غرض له في عذاب خلقه إن شكروا وأمنوا فقال: (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً) [النساء : 147].
أي إن وفيتم ما خلقتم له وهو الشكر والإيمان فما أصنع بعذابكم.
أهل الشكر:
وأخبر سبحانه أن أهل الشكر هو المخصصون بمنته عليهم من بين عباده فقال تعالى: (وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولواْ أَهَـؤُلاء مَنَّ اللّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ) [الأنعام : 53].
وقسم الناس إلى شكور وكفور فأبغض الأشياء إليه الكفر وأهله وأحب الأشياء إليه الشكر وأهله. فقال تعالى: (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) [الإنسان : 3].
وقال تعالى على لسان نبيه سليمان عليه السلام: (هَذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) [النمل : 40].
وقال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ) [إبراهيم : 7].
فعلق سبحانه المزيد بالشكر والمزيد منه لا نهاية له كمل لا نهاية لشكره وقد وقف سبحانه كثيراً من الجزاء على المشيئة كقوله تعالى: (فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاء) [التوبة : 28].
وقال في الإجابة: (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ) [الأنعام : 41].
وقال في الرزق: (يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) [البقرة : 212].
وقال في التوبة: (وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَن يَشَاءُ) [التوبة : 15].
وأطلق الله جزاء الشكر إطلاقاً حيث ذكر كقوله: (وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ) [آل عمران : 145].
وقال: (وَسَيَجْزِي اللّهُ الشَّاكِرِينَ) [آل عمران : 144].
ولما عرف عدو الله إبليس قدر مقام الشكر وأنه من أجل المقامات وأعلاها جعل غايته أن يسعى في قطع الناس عنه فقال: (ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) [الأعراف : 17].
ووصف سبحانه الشاكرين بأنهم قليل من عباده فقال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) [سبأ : 13].
وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على أول رسول بعثه إلى الأرض بالشكر فقال: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً) [الإسراء : 3].
وفي تخصيص نوح عليه السلام هاهنا بالذكر وخطاب العباد بأنهم ذريته إشارة إلى الاقتداء به فإنه أبوهم الثاني فإن الله تعالى لم يجعل للخلق بعد الغرق نسلاً إلا من ذريته كما قال تعالى: (وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمْ الْبَاقِينَ) [الصافات : 77].
فأمر الذرية أن يتشبهوا بأبيهم في الشكر فإنه كان عبداً شكوراً وقد أخبر سبحانه أنما يعبد من شكره فمن لم يشكره لم يكن من أهل عبادته فقال: (وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [البقرة : 172].
رضا الله في شكره:
وأخبر الله تعالى أن رضاه في شكره فقال: (وَإِن تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ) [الزمر : 7].
وأثنى سبحانه على خليله إبراهيم بشكر نعمه فقال: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِراً لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) [النحل : 120 - 121].
فأخبر عنه سبحانه بأنه أمة أي قدوة يؤتم به في الخير وأنه كان قانتاً لله والقانت هو المطيع المقيم على طاعته والحنيف هو المقبل على الله المعرض عما سواه ثم ختم له هذه الصفات بأنه شاكر لأنعمه فجعل الشكر غاية خليله.
وأخبر سبحانه أن الشكر هو الغاية من خلقه بل هو الغاية التي خلق عبيده لأجلها: (إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُم بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) [النمل : 78].
وقد ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام حتى تفطرت قدماه فقيل له أتفعل هذا وقد غفر الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبداً شكوراً(1).
وثبت عنه أنه قال لمعاذ والله إني لأحبك فلا تنسى أن تكون دبر كل صلاة اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك(2).
وفي صحيح مسلم عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال إن الله لا يرضى عن العبد يأكل الأكلة فيحمده عليها ويشرب الشربة فيحمده عليها(1).
فكان هذا الجزاء العظيم الذي هو أكبر أنواع الجزاء كما قال تعالى: (وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ) [التوبة : 72]. في مقابلة شكره بالحمد.
الشكر قيد النعم وسبب المزيد:
ورد عن عمر بن عبد العزيز قوله قيدوا نعم الله بشكر الله وذكر ابن أبي الدنيا عن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال لرجل من همذان إن النعمة موصولة بالشكر والشكر يتعلق بالمزيد وهما مقرونان في قرن فلن ينقطع المزيد من الله حتى ينقطع الشكر من العبد
وقال الحسن أكثروا من ذكر هذه النعم فإن ذكرها شكر وقد أمر الله نبيه أن يحدث بنعمة ربه فقال: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [الضحى : 11].
والله تعالى يحب أن يرى أثر نعمته على عبده فإن ذلك شكرها بلسان الحال.
وكان أبو المغيرة إذا قيل له كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: أصبحنا مغرقين في النعم عاجزين عن الشكر يتحبب إلينا ربنا وهو غني عنا ونتمقت إليه ونحن إليه محتاجون.
وقال شريح ما أصيب عبد بمصيبة إلا كان لله عليه فيها ثلاث نعم:
1- ألا تكون كانت في دينه.
2- ألا تكون أعظم مما كانت.
3- أنها لابد كائنة فقد كانت.
وعن سفيان في قوله تعالى: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) [القلم : 44].
قال يسبغ عليه من نعم ويمنعهم الشكر وقال غيره كلما أحدثوا ذنباً أحدث لهم نعمة.
قال رجل لأبي حازم ما شكر العينين يا أبا حازم؟ فقال: إن رأيت بهما خيراً أعلنته وإن رأيت بهما شراً سترته قال: فما شكر الأذنين؟ قال: إن سمعت بهما خيراً وعيته وإن سمعت بهما شراً دفعته. قال: فما شكر اليدين؟ قال: لا تأخذ بهما ما ليس لهما ولا تمنع حقاً لله هو فيهما قال: ما شكر البطن؟ قال: أن يكون أسفله طعاماً وأعلاه علماً قال: فما شكر الفرج؟ قال: (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ) [المعارج : 29 – 30 - 31].
قال فما شكر الرجلين؟ قال: إن علمت ميتاً تغبطه استعملت بهما عمله وإن مقته رغبت عن عمله وأنت شاكر لله، وأما من شكر بلسانه ولم يشكر بجميع أعضائه فمثله كمثل رجل له كساء فأخذ بطرفه ولم يلبسه فما نفعه ذلك من الحر والبرد والثلج والمطر.
وكتب بعض العلماء إلى أخ له: أما بعد ... فقد أصبح بنا من نعم الله ما لا نحصيه مع كثرة ما نعصيه فما ندري أيهما نشكر أجميل ما يسر أم قبيح ما ستر.
وقال يونس بن عبيد: قال رجل لأبي تميمة: كيف أصبحت؟ قال: أصبحت بين نعمتين لا أدري أيتهما أفضل: ذنوب سترها الله علي فلا تستطيع أن يعيرني بها أحد ومودة قذفها الله في قلوب العباد لا يبلغها عمل.
وقال الحسن: ما أنعم الله على عبد نعمة فقال: الحمد لله إلا كان ما أعطى أكثر مما أخذ.
قال ابن القيم رحمه الله: قوله تعالى: (الحَمدُ لله) نعمة من نعم الله والنعمة التي حمد الله عليها أيضاً من نعم الله وبعض النعم أجل من بعض فنعمة الشكر أجل من نعمة المال والجاه والولد والزوجة ونحوها والله أعلم.
الشكر صفة من صفات الله سبحانه:
إن الشكر صفة من صفات الله تعالى ومن أسماءه الحسنى الشكور.
قال تعالى: (ذَلِكَ الَّذِي يُبَشِّرُ اللَّهُ عِبَادَهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ شَكُورٌ) [الشورى : 23].
وقد وصف الله بعض الأنبياء والمؤمنين من عباده بهذه الصفة فقال سبحانه: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) [سبأ : 19].
وقال: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) [إبراهيم : 5].
اقتران صفة الشكر بصفة الصبر:
من صفات المؤمن أنه إذا أنعم الله عليه شكر وإذا ابتلاه صبر فهو في حاليه في نعمة من الله وأول ما يجب على المؤمن في باب الشكر أن يشكر الله سبحانه وتعالى على ما من عليه به من الرزق.
يقول تعالى: (إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) [العنكبوت : 17].
وقال تعالى: (فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [النحل : 114].
وقال: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِن رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) [سبأ : 15].
نعم تستوجب الشكر:
وقد من الله على عباده بكثير من النعم التي تستوجب الشكر فمن ذلك ما أنعم الله به على عباده من الهداية والرشاد(1).
فقد هداهم إلى الصيام وهداهم إلى أحكام الوضوء والتطهر وهداهم إلى ما يكفر عنهم ما تورطوا فيه من الأيمان التي لا يستطيعون الوفاء بها.
قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [البقرة : 185].
وقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَـكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة : 6].
وقال تعالى: (لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَـكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة : 89].
ومن نعم الله على عباده المؤمنين التي تستوجب الشكر ما يمنحهم من النصر والتأييد فقد أعز الله المسلمين الأوائل بنصره يوم بدر وهم قلة مستضعفون وأعزهم بالهجرة إلى المدينة المنورة فأنقذهم من ظلم مشركي قريش ويسر عليهم سبل الرزق بعد الجهاد فحق عليهم أن يشكروا الله على ذلك وحق على كل مؤمن أن يشكر الله على ما يمنحه من النصر والتأييد.
قال تعالى: (وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [آل عمران : 123].
وقال: (وَاذْكُرُواْ إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [الأنفال : 26].
ومن فضل الله سبحانه وتعالى على عباده الذين يستوجب منهم الشكر ما مكن لهم في الأرض وما سهل لهم من معايش وما سخر لهم من مياه البحار يستخرجون منها لحماً طرياً وحلية ويسيرون عليها السفن.
قال تعالى: (وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِن كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [فاطر : 12].
ومن النعم المستوجبة للشكر تسخير الرياح ونزول المطر قال تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّح

عصام طلعت

البلد: egypt
عدد المساهمات: 29
نقاط: 83
تاريخ التسجيل: 22/10/2010
العمر: 40

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى