مرحبا بكم في هذا المنتدى الخاص بعلوم الإعلام و الإتصال و العلوم السياسية والحقوق و العلوم الإنسانية في الجامعات الجزائرية
. نرحب بمساهماتكم في منتدى الطلبة الجزائريين للعلوم السياسية و الاعلام والحقوق و العلوم الإنسانية montada 30dz

دخول

لقد نسيت كلمة السر

المواضيع الأخيرة

» الإحصاء وعلم الأوبئة في الصحة العامة 2017
الأربعاء يوليو 12, 2017 4:01 pm من طرف الاء العباسي

» دورات ادارة العقارات 2017
الأحد يوليو 09, 2017 5:13 pm من طرف الاء العباسي

» سؤال مسابقة الأساتذة للإلتحاق برتبة أستاذ التعليم الثانوي تخصص فلسفة دورو 2017
السبت يوليو 08, 2017 2:12 pm من طرف hibatallah

» الفلسفة العربية المعاصرة والتحديات الراهنة
الخميس يونيو 15, 2017 12:04 pm من طرف hibatallah

» منتدى الطلبة الجزائريين للعلوم السياسية و الإعلام و الحقوق و العلوم الإنسانية
الثلاثاء يونيو 13, 2017 3:38 pm من طرف المشرف العام

» برنامج متعدد السنوات لمختلف الفئات الصغرى في كرة القدم من 7 الى 21 سنة
الجمعة يونيو 09, 2017 7:55 pm من طرف malik25

» تعريف الإشهار،قانون الإشهار
الأحد أبريل 16, 2017 7:16 pm من طرف مايسة Itfc

» الدراسات الإعلامية القيمية المعاصرة ونظرية الحتمية القيمية
الأربعاء أبريل 12, 2017 12:28 am من طرف مايسة Itfc

» مقياس :اقتصاديات الصحافة و الاعلام
الجمعة فبراير 24, 2017 11:16 pm من طرف المشرف العام

» اللغة الاعلامية :دروس
الثلاثاء فبراير 14, 2017 9:45 pm من طرف مايسة Itfc


    المواطنـة

    شاطر
    avatar
    فؤاد الفاطمي

    البلد : الجزائر
    عدد المساهمات : 11
    نقاط : 33
    تاريخ التسجيل : 23/08/2010
    العمر : 35

    المواطنـة

    مُساهمة من طرف فؤاد الفاطمي في الثلاثاء أغسطس 31, 2010 11:33 am

    مـقـدمـة

    أيّ منظور نظري يمكن اعتماده لإشكالية المواطنة في السّياق السوسيو أنتروبولوجي علما أنّ المفهوم هنا هو من إنتاج تخصصات متباينة ؟.

    في هذه الحالة لابد من محاولة تركّز في تسليطها للضوء على أهم الجوانب التي تستوعب هذا المفهوم و ذلك تجنبا للنظرة الخطية ذات البعد الواحد. بهذه الخطة ربما نتمكن من إنجاز المجهر الذي يسّهل علينا رؤية متغيرات الميدان و مخاضاته، لذلك سنتعرض لهذا المفهوم وفق الترتيب التالي:

    vالتعـريف الموسوعـي لكلمـة " مـواطـن":

    لكلمة مواطن معنيين متمايزين: الأول عام والثاني خاص، أمّا الأول فيقصد به الوطنيين التابعين لنفس البلد، أمّا الثاني فيقصد به الذين يتمتعون بالحقوق السياسية و المدنية، و بناء على هذا المعنى فإنّ الحقوق السياسية و المدنية تشكلان الدعامتان الأساسيتان لمفهوم المواطن، و لكن ما هي شروط اكتساب صفة المواطن ؟. هنا لابد من الإشارة إلى الإمكانيات السياسية التي تقوم عليها الحقوق السياسية، فماذا تعني إذن هذه الإمكانيات؟.

    تتجسد الإمكانيات السياسية في جملة من الحقوق منها: حق الانتخاب، حق المنافسة الانتخابية على مستوى المجالس النيابية و المجالس العامة و الدوائر و البلديات إلاّ أنّ الإمكانيات السياسية لا يمكن فصلها على الحقوق المدنية و من هنا فإنّ الذي لا يتمتع بالحقوق السياسية لا يمكنه التمتع بالحقوق المدنية المتمثلة في حـق الشراء و البيع و حق النجاح و اكتساب الحرية بشكل مجـاني،

    ولكن كيف يتم اكتساب صفة المواطن ؟ في حالة فرنسا فإنّ اكتساب الجنسية الفرنسية لا يتم إلاّ

    عن طريق مبدأ حق الدم –Jussanginis - الذي يجسده قانون 26/06/1889 و الذي نصه ما يلي: أنّ كل فرد ولد في فرنسا من أب فرنسي فهو فرنسي.

    vالنظـرة الفلسفيـة لمفهـوم المواطنـة:

    لقد تعرضت الفلسفة لمفهوم المواطنة بشكل تجريدي، فهي تسلط الضوء على التصورات التي تبحث في جوهر الإنسان، لذلك نجد فلاسفة الأنوار في القرن 17م في أوروبا طوّروا فلسفة جديدة أحدثت قطيعة مع التصورات الخاصة بالإنسان و التي كانت سائدة من قبل، فمع ظهور فلاسفة الأنظمة الكبرى تحدد البحث في ماهية الإنسان و جوهره. لقد تمحورت انشغالاتهم حول التساؤل عن ماهية الإنسان ؟ حيث عالج هذه المسألة كل من "ديكارت" و "هوبز" من زاوية الإرادة و ذلك بشكل مختلف، فديكارت انطبع موقفه بازدواجية تثبت من جهة اكتفاء الإنسان، و تأكد من جهة أخرى ضعفه الطبيعي و على أنّه لا يمكنه أن يحقق كماله إلاّ في حدود إتنولوجية غيبية، إنّ ازدواجية ديكارت هاته تجد تفسيرها في الظروف السياسية السائدة آنذاك و التي كانت تتميز بقمع حرية التفكير، أمّا هوبز فإنّ موقفه يتميز بأكثر راديكالية، فهو و إن كان يعتبر الإنسان كائنا مزدوجا ينقسم إلى "قوي خارجي" و "قوي داخلي"، إلاّ أنّه لم يكن يقصد بالقوي الخارجي قوة غيبية، بل كان يقصد به الملك الذي يمثل غيره و ذلك " بسبب تحول مادي للقوة التي تعتبر ميكانيزم يفصل – اصطناعيا- بين إرادات الأفراد و يمركزها في شكل موحد" (1) ، إنّ هذه القوة الخارجية بالنسبة لهوبز لا تمنع من النمو الطبيعي للإنسان الذي يملك القدرة على إعادة إنتاج نفسه بنفسه و يستطيع أن يبني المؤسسات التي تجعل منه كائنا قانونيا-sujet de droit -.

    أمّا"سبينوزا" و " ليبنز" فلقد حاولا الإجابة على هذا السؤال بمفاهيم مختلفة و ذلك انطلاقا من الطبيعة، فالأول انطلق من مفهوم المحايثة –L’emmanence- الذي يؤكد على قدرة الفرد في التعبير على كل إمكانياته انطلاقا من نشاطها الشخصي الداخلي باعتباره ينطوي على قوة أو طاقة أو رغبة كامنة في جوهره تسمح له بالتفاعل و التداول مع جواهر أخرى يتركب معها.

    أمّا الثاني فقد عبر على تلك الطاقة بمفهوم مغاير أسماه "المونادة-LA MONADE " التي يقصد بها الجوهر البسيط المتميز بالميل و الإدراك، فالوعي الفردي يتميز انطلاقا من هذا المفهوم بميولات و رغبات و رأي خاص حول العالم. و بمجيء "لوك" عرفت الفلسفة الميتافيزيقية عهدا جديدا، حيث أعطى هذا الأخير معنى جديدا لمفهوم "ذاتية الفرد" حيث اعتبرها أنّها تحتل مكانا وسطا، موجود بين مختلف الدوائر الخاصة بالنشاطات الاجتماعية و بصفة أساسية بين مختلف السلطات حيث تمكن هذه الوساطة من فهم ميكانيزمات التوازن الخاصة بالسّيادة الشعبية و التي تعطي موافقة الأغلبية منها الشرعية للنظام السياسي، إنّ فلسفة الأنوار التي جعلت الإنسان في قلب العالم –ANHTROPOCENTRISME- فتحت الباب لتقديس الفرد، فلقد صاغ "روسو" نظرية سعى فيها إلى تعميم الإرادة و جعل فيها المصلحة قضية الجميع، بذلك يكون قد ضرب عرض الحائط نظرية "بودان" الذي يرى " أنّ السيادة هي من اختصاص الدولة فقط فهي التي تمنح مكانة المواطن لبعض الأشخاص و تسمح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية"، و من هنا يمكن القول أنّ مفهوم الفرد الحديث في الفلسفة هو من نتاج هذه التصورات و الجدالات الفلسفية التي تبلورت في عصر الأنوار.





    vالمفهـوم السوسيولـوجـي للمـواطنـة:

    لقد اهتمت السوسيولوجيا كباقي العلوم الاجتماعية بمسألة المواطنة و ذلك باعتبارها " وسيلة لاكتساب المكانة الاجتماعية و شرط ضروري...، حتى يصبح الفرد معترفا به كفاعل في الحياة الاجتماعية" (1)، لقد انصبت جهود الباحثين السوسيولوجيين في هذا الميدان على مسألة "الرابط الاجتماعي" و على الكيفية التي يتمكن الأفراد فيها بالانخراط في التمثلات و الانتماءات الجماعية و سنعرض في هذا السياق بعض الآراء التي توضح هذه المسألة:

    لقد اعتبر "روسو" الإرادة العامة شرطا أساسيا في تحقيق التعايش و تجنب الحروب الأهلية، فبالتعاقد و الوفاق يتمكن الناس من الحفاظ على مصالحهم، أمّا "راولز-Rawlz" فهو ينظر إلى مسألة الوفاق من زاوية مغايرة بحيث يؤكد بأنّ " المواطنين لا يعالجون النظام الاجتماعي...إلاّ من خلال التبادل حيث يتقبل كل فرد منهم عبارات الاتفاق و ذلك شريطة أن يتقبلها الجميع...إنّ تجاهل التمثلات الخاصة شرط ضروري في تركيب تمثلات عامة قائمة على المصلحة"(1).

    إنّ مسألة الوفاق لا يمكنها أن تحقق دون وجود معايير سياسية تضبط ممارستها ف"ورمسر-G.Wormser" يبين لنا العناصر الأساسية التي تؤلف هذا المجال حيث يقول "إنّ المعايير التي تحكم المجتمع السياسي هي تلك التي تعتمد على تنشئة الفرد و الجماعة على احترام الاختلاف في إطار التوافق...و الاحترام المتبادل و ذلك في إطار حق التعبير المضمون"(2).

    أمّا "د.ميدا" فهي ترى أنّ تعزيز الوفاق يحصل مع دعم الرابط الاجتماعي و تقليص مكان

    العمل و ذلك من خلال الاعتناء بالرابط الذي يوّحد بين التنمية الاقتصادية و الإنتاج بالفضاءات العامة التي يتم فيها ممارسة الديمقراطية و ذلك بالاهتمام بالنشاط السياسي الذي يعني بالنقاش العام و الخاص بالغايات و الوسائل المتبعة في تحقيق الثروة لأنّ المشكل حسب "ميدا" لا يكمن في نذرة الإنتاج و إنّما يكمن في كيفية توزيع الثروات المنتجة، المسؤولة على توزيع المداخيل و على الإمكانات من جهة ثانية و على ضعف الرابط الاجتماعي من جهة أخرى.

    vالبنـاء التاريخـي لمفهـوم المـواطنـة:

    يرجع تاريخ بناء مفهوم المواطنة إلى التغيرات و التحولات العميقة التي حصلت في المجتمع الأوروبي خلال القرن السادس عشر و السابع عشر، ففي فرنسا(*) ارتبط هذا المفهوم بمسألة التصويت العام الذي جاء نتيجة القطيعة الثقافية الرائعة التي سمحت لفكرة المساواة السياسية أن تدخل في التمثلات الاجتماعية في القرن الثامن عشر و التاسع عشر.

    لقد عرفت هذه المساواة في البداية "المواطن المالك" في القرن الثامن عشر الذي ارتبط وجوده بالنظرية الفيزيوقراطية الاقتصادية التي تجعل من علاقة الإنسان بالأرض شرطا أساسيا في الانخراط الاجتماعي، فالمواطن المالك هو الذي له الحق في التصويت لأنّه يستطيع المساهمة في الضرائب، إنّ هذه الخصوصية قسمت المجتمع إلى مواطنين فعّالين و إلى مواطنين غير فعّالين، فهم فعّالين لأنّهم يساهمون في دفع الضرائب عن طريق المؤسسة الاجتماعية الكبرى و التي يسميها "سياس-Sieyès" كما يشير إلى ذلك "P.Rosanvallon" بالمؤسسة العامة.

    إنّ هذا التحول في تاريخ المواطنة لم يعرف اكتماله إلاّ مع مجيء الثورة الفرنسية 1789م، التي عبّر الناس من خلالها على رفضهم لمجتمع الأجسام و الامتيازات، لقد كانت هذه الثورة ذات طابع راديكالي استهدف القضاء على الإقطاع في الرّيف و على الاستبداد في المدينة و تعويض مجتمع الأجسام بكائن جماعي جديد يتمثل في السيادة الشعبية التي أصبحت طرفا أساسيا في المشاركة و المساواة السياسية، يجسد فيها المواطنون سيادتهم و ذلك من خلال الاعتراف لهم بحق التصويت، هنا بدأ "الفرد المصوّت" الذي يعبر عن رأيه بصفة سرية، و هذه إشارة واضحة تكشف عن بروز الفردانية كحق لا يمكن اختزاله. إنّ المواطن الحديث الذي أصبح من مميزات الدولة الحديثة هو نتيجة لهذا المسار و لهذا التراكم التاريخي.

    vالبنـاء التربـوي لمفهـوم المـواطنـة:

    لقد عرفت فرنسا في نهاية القرن التاسع عشر جدالا حادا خاص بمسألة المواطنة، اختلف فيه كل من الجمهوريين اللائكيين و الكاثوليكيين الأخلاقيين، حيث اعتبر الجمهوريون اللائكيون التعليم مجالا خصبا يمكن للمواطن من خلاله أن يكوّن نفسه و يقوّي إرادته و يفجر قدراته الخاصة، بينما الأخلاقيون الكاثوليكيون يرون العكس في ذلك حيث اعتبروا " أنّ المواطن المعتقد يتعارض مع المواطن العقلاني"، إنّ الاتجاه الأول يعتمد على أفكار تحررية، و يعطي للفرد الأسبقية و تنظر إليه نظرة وضعيـة، أمّا الاتجاه الثاني فإنّه ينظر للفرد كمخلوق تابع لقدرة خارجية و هـي "اللّه"، و بالتالي فحرياته محدودة و مقيّدة، إنّ هذين الاتجاهين أسّسا الأنظمة المعيارية المدنية المتناحرة، فالفكر الجمهوري اعتبر الدولة مسؤولة عن تكوين المواطنة و الرابط الاجتماعي و السياسي، فلا يمكن الفصل بين الدين و المجتمع.



    إلاّ أنّ هذه الأفكار سرعان ما تفقد معناها مع النظام الديمقراطي الذي يقدّس الانتخابات كشكل أكثر شرعية، والذي ينتقد السلطة التي تجعل من المجتمع تحت وصاية الكنيسة.

    vالتحديد الأنتروبولوجي لمفهوم المواطنة:

    تهتم الأنتروبولوجيا بالجوانب التي يتداخل فيها البعد السياسي ببقية الأبعاد الاجتماعية الأخرى فهي تركز على فعالية الممارسات و الرموز في السلطة و في هذه الحالة تصبح الفواصل بين أنثروبولوجية التمثلات و أنثروبولوجية سياسية معدومة.

    لذلك سنحاول في هذا الإطار تبعا لـ" ديمون" و "أبيلاس" أن نساهم من جهة في البعد الذي تطور فيه مفهوم الفردانية(*) في علاقته مع الأشكال الهلية(**) ، و من جهة أخرى في الكيفيات التي تتمظهر بها المواطنة في مجموعة من المجالات الميدانية، ففيما يخص الحالة الأولى، يقدم لنا "ديمون" الكيفية التي سمحت ببروز مفهوم الفردانية و تطورها في التاريخ الأوروبي، فلقد أكد أنّ الفرد لم يعرف في البداية سوى المنظور الهلي القائم على الدين الذي تطور فيه، لذلك لاحظ في دراسته للمجتمع الهندي أنّ "الزاهـد" الذي يعيش في عزلة بعيـدة عن المجتمع بشكل جمـاعي أو تحت قيادة قائد زاهد يسعون في ذلك إلى تحقيق التحرر ، و هو(فرد خارج عن العالم) الموجود في المجتمع الحديث و المتنكر للمجتمع الهلي-Holiste-، لقد عرف الإنسان الأوروبي في تاريخه انتقالا من فرد "فوق العالم" إلى فرد "داخل العالم" و ذلك بفضل الإصلاح الديني الذي حدث

    مع "كالفن" و "لوثر" اللذان وضعا نهاية لتقسيم العمل الذي تشرف عليه الكنيسة و ذلك انطلاقا من

    فكرهم الإصلاحي الذي ينطلق من مبدأ نفي وساطة الكنيسة بين الفرد و خالقه، فهذه العلاقة المباشرة تمكن من استقلالية الفرد و تجعله مكتفيا من استقلالية الفرد و تجعله مكتفيا ذاتيا، إنّ تأقلم الكنيسة مع العالم بعدما كانت خارجة عنه خاصة عندما ألغى الباباوات منطق –Gélase- الذي يربط بين وظيفة الدين بوظيفة السياسة، و انتقاله من سلطة ذات طابع "ديارشي" بين الملك و البابا إلى مونارشية ذات طابع روحي يعتبر حدثا حاسما في تاريخ أوروبا عزز من استقلالية الفرد، فالنزعة الاصطناعية الحديثة باعتبارها ظاهرة استثنائية في تاريخ الإنسانية لا يمكن فهمها إلاّ باعتبارها نتيجة بعيدة للنزعة الفردانية – الخارجة على العالم- المسيحي و التي نسميها بالفرد الحديث في العالم.

    إنّ هذا الكائن الحديث الذي يتعارض مع القوالب الهلية كيف يمكن تناوله أنثروبولوجيا في المجتمعات المعاصرة ؟

    لقد حاولت الأنثروبولوجيا تقديم منظور جديد لهذه المسألة و ذلك عندما تعرضت إلى الفرد من زاوية المواطنة، فلقد اعتبر –م.أبيلاس- :" أنّ روابط المواطنة تتردد بين أشكال هلية و أخرى فردانية، فهي –في نظره- تعد النقطة التي تلتقي فيها هذه الأشكال"(1)، و لإيضاح هذه المسائل اقترح ثلاثة حقول للبحث في ميدان أنثروبولوجية المواطنة، الحقل الأول يهتم بالكيفية التي يستعملها المواطنون في بناء أنظمة الشرعية فـي علاقتهم مع الدولة، و ذلك من خلال استعمـال

    المصادر (كالسكن و العمل)، الحقل الثاني يبحث في الهويـات الجماعية و الفردانية و الانتماءات

    الاجتماعية في علاقتها بالمواطنة، كالكيفية التي يستعملها المهاجرون في أوروبا في التعبير عن مواطنتهم، أمّا الحقل الثالث فيبحث في علاقة المواطنين بالإقليم و ذلك باعتبار أنّ هذا الأخير يعد مكانا ضروريا للفضاء العام تعتمده السياسة و فضاءا خاصا تعتمده الثقافة.

    vمفهـوم الفـرد الفلسفـة العـربيـة الإسـلاميـة:

    تجنبا للوقوع في النزعة التي تجعل من الإنسان الأوروبي في مركز العالم، نقترح هنا مسارا فلسفيا مغايرا يتناول مفهوم الفرد في إطار الفلسفة العربية الإسلامية إذ لاشك أنّ الفلاسفة المسلمين ساهموا بدورهم في التفكير في هذه المسألة بأطروحات متباينة أمثال "ابن سينا" مبتكر مفهوم "التفريد" الذي ترجم إلى اللاتينية في العصر الوسيط إلى -INDIVIDUALITAS – و "ابن مسكويه" في القرن العاشر الذي عرف الفرد على أنّه التقاء شكلين كونيين، الأول خاص بهوية المادة و الثاني خاص بالقوانين التي تحكمها، كما فكر كل من "الفرابي" و "ابن سينا" في مسألة الهوية، فالأول عرف "هو،هو" بأنّه توحد الذات، أمّا الثاني فعرفه بأنّه إتحاد بين اثنين في شكل موحد، أمّا "ابن العربي" فلقد تناول مفهوم الفرد انطلاقا من مفهوم "الوتر" و الذي يعتبر مفهوما مركزيا في الفلسفة الصوفية.

    فالوتر عند ابن العربي هو الرابط الذي يجمع بين الإثنين كعقد الزواج الذي يجمع بين المرأة و الرجل، فالواحد الذي لا يقبل القسمة في هذه النظرة لا يسمى وترا، و ذلك لعدم اشتماله على عنصر ثاني يتحد معه في إنتاج الوتر، ثم إنّ المفكرين المسلمين عموما اعتبروا الإنسانية مكوّنة جينيالوجيا من سلسلة ذات خط يجد مرجعيته في نموذج هوية الله. و لنا أن نتساءل الآن ، إذا كانت الفلسفة الأوروبية قد تخلصت من نظام ازدواجية الروح و المادة و أعطت استقلالية واسعة للفرد، فلماذا بقيت الفلسفة العربية الإسلامية مقيّدة بهذا التماهي ؟.

    يجيب محمد عابد الجابري على هذا التساؤل فيقول:" إنّ الحركة في الثقافة العربية كانت و مازالت حركة اعتماد (أي حركة الشيء في نفس موضعه) لا حركة نقلة (أي الانتقال من مكان إلى آخر)، و بالتالي فزمنها مدة يعدها "السكون" لا الحركة و هذا على الرغم من جميع التحركات و الاهتزازات و الهزّات التي عرفتها"(1) ، فالسبب إذا هو حالة الركود التي تعاني منها الثقافة العربية الإسلامية التي تأبى إعادة تجديد أصولها و أسسها على قواعد تستجيب للتغيرات و التحولات التي يعرفها التاريخ باستمرار.

    vمفهوم المواطنة في التاريخ الجزائري الحديث:

    إذا كانت القيّم التي تنعم بها أوروبا الآن جاءت نتيجة تاريخ طويل عرف الحروب الدينية و الحروب الأهلية و المقاومات الشعبية، أدت في الأخير إلى ظهور مجتمع حديث تتمايز فيه المجالات و ينتظم فيه الناس بشكل متعاقد عبرت عنها الإعلانات و الدساتير الخاصة بحقوق الإنسان و المواطنة،في شكل يعترف بالإنسان ككائن حر يمارس حرياته الفردية في إطار خاص و حقوقه السياسية في إطار عام و متساوي و تعتبر الفرد حقيقة غير قابلة للتجزئة و تضمن حرياته الأساسية كحرية التعبير و المعتقد. و تميّز بين الحقوق المدنية و الحقوق السياسية.

    فإنّ التاريخ الاجتماعي الجزائري عرف مسارا آخر لم يصل فيه بعد إلى قطيعة نهائية تمكن من تحقيق هذه القيّم، فمنذ مطلع هذا القرن عرف المجتمع الجزائري حركة نزوح واسعة من الأرياف إلى المدن كانت لها نتائج هامة على المستوى السياسي و الاجتماعي، لقد وصف –محمد حربي- هذه العملية قائلا :" لقد حل الشعب محـل القبيلة و الحزب محل الزاوية الدينية...و حول

    أبناء الريفيين –في هجرتهم إلى المدن- التيارات المعتدلة و أخلطوا تراتبيتها و استأصلوها حيث شكّلوا باعتبارهم حشد كبير الوطنية الشعباوية، فالمحسوبية التي كانت عند الأعيان أصبحت الآن في الأحزاب السياسية"(1).

    إنّ هذا التحول الذي قلب البنى و أعاد تركيبها على أسس إثنية و عائلية و روابط المحسوبية والجهوية و الخلافات العقائدية فوّت الفرصة على قيام ثقافة سياسية فردانية تعتمد على اختلاف الآراء و تعددها في جو من الشفافية، إنّ النّزعة الوطنية في الجزائر لم تكن تحمل مشروع مجتمع يفصل بين صرح الجماعة الذي يتداخل فيه الدين بالسياسة و الأخلاق و الأعراف و البناءات العائلية و الإثنيات عن مجال تتعدد فيه الفضاءات و يستقل فيها الفرد بفضائه الخاص و يشارك من جهة أخرى في أماكن اجتماعية متعددة و مغايرة، إنّ النظرة التي كانت تؤسس ممارسات الدولة لم تكن تتخيل وجود الفرد إلاّ من خلال السلطة الاجتماعية.
    التـحديد الدستـوري لمفهوم المـواطـنـة
    لقد عرفت الجزائر مرحلتين هامتين منذ استقلالها تميّزت كل واحدة منها على الأخرى بمورفولوجية و ديناميكية اجتماعية خاصة، فالفقرة الأولى التي امتدت من 1976 إلى بداية الثمانينات، اشتهرت بما كان يسمى "النموذج الجزائري للتنمية" و "الصناعة المصنّعة"، و النضال من أجل نظام إقتصادي عالمي جديد، و الذي كانت تمثله الدبلوماسية الجزائرية في المجالس العامة بمنظمة الأمم المتحدة. في هذه المرحلة كان النظام السياسي الجزائري يستلهم مشاريعه من الرّيع البترولي و الغازي الذي كانت عائداته تحقق مداخيل و أرباح واسعة تنتعش منها خزينة الدولة كما كانت تهدف هذه المرحلة إلى بناء دولة قوية و مركزية يقودها الحزب الواحد الذي يستند في مشروعيته على الثورة التحريرية.

    إنّ أهم حدث ميّز هذه الفترة هو وضع دستور للبلاد يبيّن أجهزة الدولة و مؤسساتها و يضبط حقوق و حريات الأفراد و واجباتهم، إنّ هذه الوثيقة الرسمية التي اعتمدت سياسة شعبوية تجعل من الشعب قوة اجتماعية للثورة، أعطت نصوصها الأولوية للبعد الاجتماعي و الاقتصادي و ذلك قصد إشراك أكبر قدر من المواطنين في هذين الدائرتين و إقصائهم من المشاركة في دائرة ما هو سياسي، ففيما يخص البعد الأول نصّ الدستور على حقوق الفرد القانونية و الدستورية التي يحميها المشّرع بكافة الضمانات و الوسائل، منها الحق في التعليم و العلاج أو ما كان يسمى بمجانية التعليم و الطب المجاني، كما نصّت تلك المرحلة على محو الأمية و الحق في العمل، و السكن الاجتماعي لكل مواطن و تمكين المواطنين من المساعدات التي تقدمها الدولة و ذلك قصد وضع نوع من التوازن الطبقي و إذابة الفوارق الاجتماعية.

    أمّا على المستوى الاقتصادي، فلقد تبنى الدستور سياسة "التسييـر الذاتـي" لمؤسسات الدولة و ذلك قصد توسيع مشاركة العمال و الفلاحين في هذا القطاع، إلاّ أنّ هذه الحقوق سرعان ما تصبح في حكم الملغى إذا ما تصادمت مع قناعات الجهاز الحاكم و الماسكين به و الذين لهم مساحات واسعة للتحرك تمكنهم من خنق الحريات، فمثلا حق الملكية كان معترفا به لكن في حدود خانقة، فهو لا يسمح به إلاّ في إطار الاشتراكية.

    أمّا على المستوى السياسي، فقد قيّد الحزب الواحد الساحة السياسية، حيث أوصد الباب في وجه كل الآراء و التوجهات الخارجة عن حدوده، و هنا يضيق مفهوم المواطنة إلى أدنى حدوده، فمثلا حق الترشح في الانتخابات لأجل التمثيل السياسي و الشعبي ليس متاحا لكل مواطن تتوافر فيه شروط السّن و الرشد و العقل، بل هو مقتصر فقط على المناضلين دون باقي المواطنين، ليصبح بذلك معيار الانتماء أساس كل انتقاء و التمكين من الحقوق السياسية، لقد طبعت هذه الميزات فترة السبعينات.

    و بحلول الثمانينات، عرف العالم أزمة اقتصادية خانقة عادت على أسعار البترول التي عرفت انخفاضا كبيرا، فعلى إثر هذا التحول دخلت الجزائر في عهد جديد، دشنّته في البداية انتفاضة شعبية تمثلت في أحداث 05 أكتوبر 1988، التي غذاها توافق الأزمة على المستوى السياسي (احتكار السلطة من طرف الحزب الواحد)، و الاقتصادي (انخفاض قيمة العملة المحلية، الشيء الذي أثر على القدرة الشرائية للمواطن العادي)، و الاجتماعي (ارتفاع نسبة البطالة)، هذه العوامل كانت إنذارا بانتهاء النموذج الجزائري للتنمية الذي قام على أنقاضه وضع جديد تميّز بالتحرر الاقتصادي من الرقابة الإدارية و الانفتاح على التوجهات السياسية المختلفة. لقد فرضت هذه المرحلة صياغة دستور جديد في 24 فبراير 1989 يتماشى مع التغيرات الراهنة للمجتمع الجزائري و يستجيب للمتطلبات الدولية. و بعدها أتى دستور 28 نوفمبر 1996، الذي جاء ليكمل حلقة الدخول في النظام الديمقراطي، و مواكبة الدول السائرة على نفس المنوال من ذلك.

    فبعد أحداث أكتوبر 1988، عرف النظام السياسي الجزائري تغيرات جذرية، على غرار النظم السياسية الأخرى، و نتيجة لضغوط كثيفة عليه، جعلته يلجأ للخيار التعددي، فقامت الأبنية السياسية و التنفيذية باستيعاب هذه الضغوط، و تم إقرار الانتقال من الأحادية الحزبية إلى التعددية السياسية، التي تشكل مظهر من مظاهر الديمقراطية، هذه الأخيرة لن تفيد معناها الحقيقي إلاّ إذا تمتع الشعب بحق المشاركة بحرية في القرارات التي تمس مجالات حياته الفردية و الجماعية.

    و رغم أنّ التجربة الديمقراطية في الجزائر ليست طويلة، و التقاليد الديمقراطية لم تتجذر بعد بالقدر المطلوب في المجتمع بالإضافة إلى التشوهات التي شابت التجربة فيه الممارسة منذ فتح دستور 1989 الباب أمام التعددية السياسية التي هي عماد النظام الديمقراطي الحديث، إلاّ أنّ هناك تنوعا في النشاطات التي تتيح الحياة السياسية في البلاد للمواطن، المجال للمشاركة فيها. بدءا بالتصويت في الانتخابات التي شهدتها الجزائر بعد بعث المسار الانتخابي سنة 1995، و إلى جانب هذا، تتوافر للمواطن صور أخرى متعددة للمشاركة السياسية، و من حيث إحساسه بحقه كمواطن، كالانخراط في الأحزاب و في التنظيمات الوطنية و النقابات وغيرها.

    الـخـلاصــة
    لاشك أنّ هذا العرض الوجيز لأهم المحطات التاريخية الذي عرفها مفهوم المواطنة في فرنسا و الكيفيات التي تمظهر بها في حالة الجزائر، يجعلنا نتساءل عن السبب الذي جعل من المواطن الفرد في أوروبا يصل ما وصل إليه الآن من تقدم و ازدهار بالمقارنة مع المواطن في العالم العربي بشكل خاص و الذي يعرف وضعه حالة ركود، نعتمد في الإجابة عن هذا التساؤل على كتاب –الدولتان- لـ"بارتران بادي"، حيث قارن فيه بين نموذج الدولة في الغرب و سر نجاحها ونموذج الدولة في الشرق و سر فشلها. فيعلق الكاتب عن مفهوم الأمة في الثقافة العربية الإسلامية والتي تنتمي إليها الجزائر، فهي باعتبارها جماعة المؤمنين فإنّ فكرة التمييز في هذه الحالة بين مجالات العمل الاجتماعي تفقد كل معناها و من ناحية أخرى لا يتم تجزؤ المجتمع تبعا للتنازع ولا حتى بسبب التقسيم الجغرافي...إنّ دينامية التمييز الاجتماعي في التاريخ قد حرّكها على نحو متتالي خروج المجال السياسي عن الديني، إنّه إذن بسبب توسط المجال السياسي –و الذي هو مجال الشعب السيد- المجال الديني و مجال الأمير سمح ببروز الفرد و تطوره في أوروبا، بينما في حالة العالم العربي الذي تعد الجزائر جزء منه لم يعرف نفس التمايز الشيء الذي عطل من قيام نهضة حقيقية تعطي للفرد وجها آخر.

    المراجع:
    1- Sous la dérection de Colman j 1996 ; L’individu dans la théorie politique et dans la pratique, paris, p.u.f, p.259.

    1- Boyer.A ; De la métaphysique au politique a propos de John Rawlz ; cahiers de philosophie politique et juridique n°8 ; c.p.u ;1990 ;p.84.

    2- Le Comte GM ; sylvestre(coodly) ; Culture républicaine citoyenneté et lieu social ; acte du colloque de Dijon 8 et 9 oct. 1996,28 oct.29 mai 1997 ;Dijon Darantiere.p.182.

    *- لقد ملنا إلى النموذج الفرنسي في تحديد المفهوم، و ذلك باعتبار أنّ الجزائر كانت مستعمرة فرنسية لأزيد من قرن، الشيء الذي جعل من النمو السياسي و المؤسساتي بعد الاستقلال لا يخرج في شكله على التقاليد الفرنسية في عملية التسيير و التنظيم.

    (*)- الفردانية: هي نزعة تعرف بتعارضها مع الهلية، و هي إيديولوجية تقيّم الفرد و تثّمنه و تهمل الكلية الاجتماعية أو تخضعها لها.

    (**)- الهلية: هي إيديولوجية تقتّم الكلية الاجتماعية و تثّمنها و تهمل الفرد الإنسان و تخضعه لها.

    1- M.Abeles, H.Pierre jeudy ; Anthropologie du politique ; edite armand colin ; 1997 ; p.74.

    1- محمد عابد الجابري، تكوين العقل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الرابعة، سنة 1991، ص42.
    1- Harbi.M ;L’algerie et son destin croyents ou citoyens ; paris ;arcantere ;1992 ; p.66.

    فؤاد الفاطمي

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يوليو 23, 2017 3:50 am