مرحبا بكم في هذا المنتدى الخاص بعلوم الإعلام و الإتصال و العلوم السياسية والحقوق و العلوم الإنسانية في الجامعات الجزائرية
. نرحب بمساهماتكم في منتدى الطلبة الجزائريين للعلوم السياسية و الاعلام والحقوق و العلوم الإنسانية montada 30dz

دخول

لقد نسيت كلمة السر

المواضيع الأخيرة

» الإحصاء وعلم الأوبئة في الصحة العامة 2017
الأربعاء يوليو 12, 2017 4:01 pm من طرف الاء العباسي

» دورات ادارة العقارات 2017
الأحد يوليو 09, 2017 5:13 pm من طرف الاء العباسي

» سؤال مسابقة الأساتذة للإلتحاق برتبة أستاذ التعليم الثانوي تخصص فلسفة دورو 2017
السبت يوليو 08, 2017 2:12 pm من طرف hibatallah

» الفلسفة العربية المعاصرة والتحديات الراهنة
الخميس يونيو 15, 2017 12:04 pm من طرف hibatallah

» منتدى الطلبة الجزائريين للعلوم السياسية و الإعلام و الحقوق و العلوم الإنسانية
الثلاثاء يونيو 13, 2017 3:38 pm من طرف المشرف العام

» برنامج متعدد السنوات لمختلف الفئات الصغرى في كرة القدم من 7 الى 21 سنة
الجمعة يونيو 09, 2017 7:55 pm من طرف malik25

» تعريف الإشهار،قانون الإشهار
الأحد أبريل 16, 2017 7:16 pm من طرف مايسة Itfc

» الدراسات الإعلامية القيمية المعاصرة ونظرية الحتمية القيمية
الأربعاء أبريل 12, 2017 12:28 am من طرف مايسة Itfc

» مقياس :اقتصاديات الصحافة و الاعلام
الجمعة فبراير 24, 2017 11:16 pm من طرف المشرف العام

» اللغة الاعلامية :دروس
الثلاثاء فبراير 14, 2017 9:45 pm من طرف مايسة Itfc


    مفهوم العلم عند ابن سينا و منزلته في العلم الحديث

    شاطر
    avatar
    فؤاد الفاطمي

    البلد : الجزائر
    عدد المساهمات : 11
    نقاط : 33
    تاريخ التسجيل : 23/08/2010
    العمر : 35

    مفهوم العلم عند ابن سينا و منزلته في العلم الحديث

    مُساهمة من طرف فؤاد الفاطمي في الثلاثاء أغسطس 31, 2010 11:27 am

    تمهــد :
    أتناول هذا المبحث لإثبات قضية مفهوم العلم في الخطاب السينوي، والتساؤلات الفلسفية التي يطرحها سواء على مستوى نسقه، أو على مستوى أنساق العلم الحديث. ولا نتعجب من الذين يحكمون على هذا النمط من الدراسات، ويصنّفونها في خانة الموضوعات المستهلكة، التي لا تصلح إلاّ للاجترار و السجال، والأحسن لها أن تختفي في الأدراج ؛ خشية أن تتيه في أدغال مصطلحات قضايا الساعة، الإيديولوجيات، و العولمة...
    هذا و أمام هذا الواقع المستحدث الذي افتتن بالعلم و بقضايا الفكر الفلسفي المعاصر، أحاول كغيري من الذين سبقونا، أن ابعث تراث ابن سينا من جديد، ليلاقي ظاهرة تأطير الفلسفة و العلم في الوعي. فوجدت في الحقيقة أنّ هذا كله يرجع سببين رئيسيين: لغياب الأثر و رواج الدراسات الاستشراقية. أو للتناول الجزئي في الدراسة، و هذا لا يليق كمنهج لفهم خطاب الفلاسفة الموسوعيين. كأبي علي ابن سينا ( ) ، نعم الشيخ الرئيس ؛ فلو سحبناه على موضوع بحثنا هذا لوجدنا جثة دلالة العلم عنده؛ لم تقتصر على كتاباته في العلم وحده، وإنّما نجدها مقسّمة على الفلسفة، و علم النفس و الأخلاق و السياسة و التربية و المنطق و الاقتصاد ، بل و في الطب و الرياضيات أيضا. إنّ ابن سينا لم يكن فيلسوفاً عميقاً ذا أفكار جديدة وشاملة فحسب، بل امتاز أيضاً بنزعةٍ علمية قوّية جعلته أكثر العلماء تأثيراً في الميدان العلمي في الشرق وفي الغرب. الأمر الذي جعلنا نستبق أفكار و مراحل بحثنا، ونسجل محطة قوامها : إن مفهوم العلم تطور جذرياً من أيامه إلى أيامنا، حتى أصبحنا نرى أن كثيراً من العلوم التي كانت تعد علوماً في الماضي، لا تدخل في نطاق العلم كما نفهمه اليوم.‏ ثمّ إن العلم نفسه كان يتمتع في نظر القدماء بالثبات والدوام، وقد أصبح في أيامنا ذا طابع تاريخي ومؤقت وناقص.‏ لهذا لابد لنا من الفحص عن مفهوم العلم لديه أولاً، لنرى إلى أي حد كف مفهومنا عن العلم من الانطباق عليه ثانياً. وهذا يتطلب منا أن نعرض العلوم كما رآها هو ذاته في أول الأمر، لنتمكن من بعد، من الفحص عنها في ضوء مفهوم العلم الحديث.‏
    1 ـ مفهوم العلم و تقسيم العلوم عند ابن سينا
    لابد بادئ ذي بدء من ملاحظة خاصة بمعنى العلم في العصر الحديث، وهو يختلف عما كان يذهب إليه أرسطو ومن اقتدى بمبادئه. فالعلم بمعناه الحديث ينطبق قبل كل شيء على القوانين الخاصة بالظواهر ومحاولة ربط الوقائع بشروط وجودها. فقد تلاشى معنى العلة بمقتضاها الميتافيزيقي، وكل ما يطلبه الكيماوي أو الفيزيائي، هو تحديد الشروط الدقيقة التي تسمح لأي عالم آخر أن يعيد التجربة التي يجريها. وهذه النظرة الوضعية للحوادث الطبيعية فقد تظهر بكل وضوح عند عالم مثل( أوغست كونت) أو( ستوارت مِل) في محاولتهما لتصنيف العلوم.‏ كما أنه، منذ جاليلو وديكارت، أدخلت الرياضيات في تحديد الوقائع وصياغة القوانين (mathématisation).‏
    أما عند الفلاسفة القدماء وعلى رأسهم أرسطو كان للعلم معنى آخر، وهو معرفة الشيء بعلله وهو يرادف الحكمة أو المعرفة التامة للوجود. فقد خصص (ابن سينا )رسالة لتقسيم العلوم نرى فيها كيف ينظر إليها وعلى أي أساس يُصَنِّفها.‏ فيبدأ رسالته على الشكل الآتي: "الحكمة صناعة نظر يستفيد منها الإنسان تحصيل ما عليه الوجود كله في نفسه،وما عليه الواجب مما ينبغي أن يكسبه فعله لتشرف بذلك نفسه، وتستكمل وتصير عالماً معقولاً مضاهياً للعالم الموجود،وتستعد للسعادة القصوى بالآخرة وذلك بحسب الطاقة الإنسانية(" •).‏
    فالحكمة هي الفلسفة بمعناها الأعلى، وهي علم ومعرفة. وهي تنقسم إلى قسمين: قسم نظري وقسم عملي. والقسم النظري هو الذي تكون الغاية منه حصول الاعتقاد اليقيني بحال الموجودات التي لا يتعلق وجودها بفعل الإنسان...‏
    مثل علم التوحيد وعلم الهيئة. أما القسم العملي فيكون المقصود منه حصول صحة رأي في أمرٍ يحصل بكسب الإنسان ليكتسب ما يعود عليه بالخير. فغاية النظري هو الحق وغاية العملي هو الخير.‏
    لكي يتثبّت لنا مفهوم العلم كما قصده ( ابن سينا)، لابد لنا من البدء بعرض صورته الكلية أولاً، لنرى كيفية ارتباط العلوم الجزئية وفروعها به ثانياً.‏ أما صورة العلم الكلية، فهي المنظومة التي ترتبط في داخلها العلوم الجزئية، التي يكون كل علم منها منظومة أضيق نطاقاً، ترتبط فيها فروعها المختلفة. وهذا يعني، أن كل علم من العلوم الجزئية يكون منظومة صغيرة، هي بدورها جزء من المنظومة الكبيرة، التي هي العلم بالمعنى الشامل للكلمة. ومن هنا كان لابد من أساس ونظام لارتباط العلوم الفرعية من جهة، والعلوم الجزئية من جهة أخرى، بمنظومة العلم الكبيرة، أما الأساس فهو المبادئ الأولى، التي هي موضوع الفلسفة الأولى، في حين أن النظام هو الترابط المنطقي بين المسائل والموضوعات والمبادئ، وفق عمليات عقلية يحددها المنطق. ولهذا كان العلم ينقسم إلى نوعين كبيرين هما:‏
    العلم الذي هو آلة (المنطق) والعلوم التي هي غايات (1)، (العلوم الأخرى على اختلافها). وهذه تنقسم بدورها إلى علوم نظرية وأخرى عملية.‏
    1ـ علم المنطق:‏
    إذا سلّمنا بأن كل معرفة ليست أكثر من اقتفاء المجهول من المعلوم، فقد كان المنطق هو العلم المنبه على الأصول التي ينبغي الاعتماد عليها، في هذا الاقتناص. بيد أن الأنحاء والجهات التي يستعمل فيها الذهن المعلوم، في سبيل اقتناص المجهول، ليست أنحاء وجهات ذات قيمة واحدة، فبعضها يؤدي بالذهن إلى قبلة الصواب، في حين يؤدي بعضها الآخر إلى مواطن الزلل. ولهذا كان المنطق هو الآلة التي إذا استخدمها الذهن، استطاع أن يفرق بين هذه السبل المختلفة، وأن يسلك فيها تلك التي تؤدي به إلى الحقيقة(2). ولهذا كان المراد من المنطق، أن يكون عند الإنسان آلة قانونية تعصمه من أن يضل في فكره. ويعني ابن سينا بالفكر هنا، ما يكون عنه إجماع الإنسان أن ينتقل من أمور حاضرة في ذهنه، متصورة أو مصدق بها تصديقاً علمياً أو ظنياً، أو وضعاً وتسليماً، إلى أمور غير حاضرة فيه. وهذا الانتقال لا يخلو من ترتيب فيما يتصرف فيه وهيئه، وذلك الترتيب والهيئة قد يقعان على وجه صواب، وقد يقعان لا على وجه صواب. وكثيراً ما يكون الوجه الذي ليس بصواب، شبيهاً بالصواب، أو موهماً أنه شبيه به.‏
    فالمنطق علم يتعلم فيه ضروب الانتقالات من أمور حاصلة في ذهن الإنسان، إلى أمور مستحصلة، وأحوال تلك الأمور(3.) و هذا يعني، أن المنطق هو الآلة التي إذا استعملناها، وأخذنا نزن بميزانها العلوم النظرية والعملية، توصلنا إلى العلوم اليقينية، والتصورات الحقيقية النافعة، بل الضرورية(4).‏
    ومن هذا نرى، أن المنطق هو النسيج المتين الذي تتألف من خيوطه العلوم النظرية والعملية، وأن هذه العلوم تكون على قدر من المتانة، بقدر ما تدخل خيوط المنطق في نسيجها.‏
    ويقسم ابن سينا المنطق إلى تسعة أقسام، هي:‏
    1 ـ الألفاظ المفردة، وهو بمثابة المدخل إلى المنطق.‏
    2 ـ المقولات، وهو يبين عدد المعاني المفردة الذاتية والشاملة بالعموم لجميع الموجودات من جهة ما هي تلك المعاني، من غير شرط تحصيلها في الوجود أو قوامها في العقل.‏
    3 ـ العبارة، وهو يبين تركيب المعاني المفردة بالسلب والإيجاب، حتى تصير قضية وخبراً يلزمه أن يكون صادقاً أو كاذباً.‏
    4 ـ القياس، وهو يبين تركيب القضايا حتى يتألف منها دليل يفيد علماً بمجهول.‏
    5 ـ البرهان، ومنه يعرف شرائط القياس في تأليف قضاياه التي هي مقدماته، حتى يكون ما يكتسب به يقيناً لا شك فيه.‏
    6 ـ المواضع الجدلية، ويشتمل على تعريف القياسات النافعة في مخاطبة من نقص فهمه أو علمه من تبين البرهان في كل شيء.‏
    7 ـ شبه المغالطين، ويشتمل على تعريف القياسات النافعة في مخاطبة من نقص فهمه أو علمه من تبين البرهان في كل شيء.‏
    8 ـ الخطابة، ويشتمل على تعريف المقاييس الخطابية البلاغية النافعة في مخاطبة الجمهور، على سبيل المشاورات والمخاصمات.‏
    9 ـ الشعري، ويشتمل على الكلام الشعري وكيف يجب أن يكون في فن فن، وما أنواع التقصير والنقص فيه(5).‏
    ـ العلوم النظرية:‏
    وهي تتعلق بالأمور التي لنا أن نعلمها، وليس لنا أن نعمل بها(6). والغاية منها هي الوصول إلى اعتقاد يقيني بصدد الأصول التي تكون الموجودات عليها، والتي لا يتعلق وجودها بفعل الإنسان، بل المقصود منها حصول رأي فقط(7). وبذلك يتمكن المرء من تزكية نفسه بانطباع صورة المعلوم فيها، من دون أن يتجاوز العلم إلى العمل(Cool. وهذه العلوم أربعة:‏
    آ ـ العلم الطبيعي:‏
    وهو يبحث في أمور حدودها، متعلقات بالمادة الجسمانية والحركة، مثل أجرام الفلك والعناصر الأربعة، وما يتكون منها، وما يوجد من الأصول خاصاً بها، كالحركة والسكون، والتغير والاستحالة، والكون والفساد، والنشور والبلى، والقوى و الكيفيات، التي تصدر فيها هذه الأصول، وسائر ما يشبهها(9).‏ والعلم الطبيعي صناعة نظرية، له موضوع ينظر فيه وفي لواحقه. أما موضوعه فهو الأجسام الموجودة بما هي واقعة في التغير، وبما هي موصوفة بأنحاء الحركات والسكونات(10). وهو يقسم أقساماً كثيرة، بعضها يقوم مقام الأصل، وبعضها يقوم مقام الفرع. أما عدد الأقسام الأصلية فثمانية، وقد أفرد ابن سينا لكل منها كتاباً، وهي: كتاب الكيان، كتاب السماء والعالم، كتاب الكون والفساد، كتاب الآثار العلوية، كتاب المعادن، كتاب النبات، كتاب الحيوان، كتاب النفس. أما الأقسام الفرعية فعددها سبعة، وهي الطب، أحكام النجوم، علم الفراسة، علم التعبير، الطلسمات، علم النيرنجيات، علم الكيمياء(11).‏
    بيد أن للعلم الطبيعي موضوعات يدرسها، ومبادئ يسلم بها، وهو يبرهن على موضوعاته، ولكنه لا يبرهن على مبادئه، إذ البرهان عليها في علم آخر أعلى منه. وبهذا الصدد يقول ابن سينا: "وللعلوم أيضاً مبادئ وأوائل من جهة ما يبرهن عليها، وهي المقدمات التي تبرهن ذلك العلم، ولا تتبرهن فيه، إما لبيانها، وإما لعلوها عن أن تتبرهن في ذلك العلم، بل إنما تتبرهن في علم آخر، والعلم الطبيعي من تلك الجملة. وليس ولا على واحد من أصحاب العلوم الجزئية، إثبات مبادئ موضوع علمه، ولا إثبات صحة المقدمات التي بها يبرهن ذلك العلم، بل بيان مبادئ العلوم الجزئية على صاحب العلم الكلي، وهو العلم الإلهي والعلم الناظر في ما بعد الطبيعة، وموضوعه الموجود المطلق، والمطلوب فيه المبادئ العامة واللواحق العامة(12)".‏
    ب ـ العلم الرياضي:‏
    وهو يتطرق إلى دراسة الأمور التي يتعلق وجودها بالمادة والحركة، دون أن تتعلق حدودها بهما، مثل التربيع والتدوير، مثل الكرية والمخروطية، مثل العدد وخواصه. وقد كانت هذه الأمور متعلقة بالمادة والحركة، لأن المرء لا يستطيع أن يتصور التربيع والتدوير الخ.... إلا إذا تصور شيئاً مربعاً أو مدوراً الخ... ولأن صنعتي التربيع والتدوير ليس لهما وجود إلا في الأجرام الواقعة في الحركة. بيد أن هذه الأمور ذاتها ـ إذا صرفنا النظر عن تحقيقها في الوجود ـ ونظرنا إليها من حيث هي حدود مجردة، أصبحت غير متعلقة بالمادة الحركة، إذ أن المرء يفهم الكرة من غير أن يحتاج في تفهمها، إلى أنها من خشب أو ذهب أو فضة.‏
    وهنا نلمس فارقاً أساسياً بين موضوعات العلم الطبيعي، وموضوعات العلم الرياضي، أن الموضوعات الأولى مقرونة دائماً بالمادة والحركة، في حين أن الموضوعات الثانية ليست مقرونة بهما. والحقيقة أن الإنسان يستطيع أن يفهم الكرة دون أن تكون مقرونة بشيء مادي كالذهب أو الفضة، غير أنه لا يستطيع أن يفهم الإنسان إلا إذا فهم أن صورته من لحم وعظم(13). وإذا كانت المادة عرضة للكون والفساد، أي قابلة للتغير من حال إلى حال، كان معنى هذا، أن العلم الطبيعي يتطرق إلى دراسة ما في الحركة والتغير، من حيث هو في الحركة والتغير، وأن العلم الرياضي يتناول ما في الحركة والتغير، ثم يجرده من هذا التغير، وإن كان وجوده مخالطاً للتغير.(14).‏
    وللعلم الرياضي أقسام أربعة: هي: علم العدد، وعلم الهندسة، وعلم الهيئة، وعلم الموسيقى، ولكل منها فروع يتفرع إليها، تختلف في عددها بين علم وعلم(51).‏
    وكما أن العلم الطبيعي لا تتبرهن مبادئه فيه، بل في علم آخر أعلى منه، كذلك العلم الرياضي لا تتبرهن مبادئه فيه، بل في علم آخر أعلى منه. وبهذا الصدد يقول ابن سينا: "وليس أحد من أصحاب العلوم يمكنه أن يبين مبادئه من جهة ما هو صاحب علمه:فالمهندس من جهة ما هو مهندس، لا يمكنه إثبات مبادئه، و المناظري من جهة ما هو مناظري كذلك. فإن تكلف المناظري ذلك في مبادئه، صار مهندساً، ومن جهة الهندسة ما يبيّن مبادئه. وإن تكلف المهندس ذلك في مبادئه، فقد صار فيلسوفاً، ومن جهة ما هو فيلسوف ما يبين مبادئه. ومبادئ جميع العلوم تبين في علم ما بعد الطبيعة(16)".‏
    ج ـ العلم الإلهي:‏
    وهو يتطرق إلى دراسة الأمور التي لا تفتقر في وجودها، ولا في حدودها، إلى المادة والحركة(17)، وهي أمور مباينة للمادة أصلاً، فلا تصلح لأن تختلط بالمادة، لا من حيث الوجود، ولا من حيث التصور العقلي، مثل الخالق الأول، ومثل الملائكة على اختلاف ضروبها(18). وبهذا الصدد يقول ابن سينا: "نريد أن نحصر جوامع العلم الإلهي، فنقول: إن كل واحد من علوم الطبيعيات وعلوم الرياضيات فإنما يفحص عن حال بعض الموجودات، وكذلك سائر العلوم الجزئية، وليس لشيء منها النظر في أحوال الموجود المطلق ولواحقه ومبادئه. فظاهر أن ههنا علماً باحثاً عن أمر الموجود المطلق ولواحقه التي له بذاته ومباديه، ولأن الإله تعالى اتفقت عليه الآراء كلها، ليس مبدأ لوجود معلول دون وجود معلول آخر، بل هو مبدأ للوجود المعلول على الإطلاق، فلا محالة أن العلم الإلهي هو هذا العلم. فهذا العلم يبحث عن الموجود المطلق، وينتهي في التفصيل إلى حيث تبتدئ منه سائر العلوم، فيكون في هذا العلم بيان مبادئ سائر العلوم الجزئية(19)".‏
    ويقسم ابن سينا هذا العلم إلى ثلاثة أقسام، هي: إثبات الحق الأول وتوحيده، إثبات الجواهر الأول الروحانية، تسخير الجواهر الجسمانية لتلك الجواهر الروحانية، إلى فرعين هما: الوحي وما يتعلق به، والمعاد وما يرتبط به(20).‏
    وكما أن العلمين الطبيعي والرياضي لا تستدل مبادئهما فيهما، بل في علم أعلى منهما، كذلك العلم الإلهي لا تستدل مبادئه فيه، بل في علم آخر أعلى منه. وهذا العلم موضوعه دراسة معان قد تخالط المادة وربما لا تخالطها. ولهذا كان البرهان على وجود الإله الواجب الوجود في علم ما بعد الطبيعة، الذي يتطرق إلى دراسة هذه المعاني، وبهذا الصدد يقول ابن سينا: "كل موجود إذا التفت إليه من حيث ذاته، من غير التفات إلى غيره، فإما أن يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه، أولا يكون، فإن وجب فهو الحق بذاته، الواجب الوجود من ذاته، وهو القيوم، وإن لم يجب، لم يجزان يقال: إنه ممتنع بذاته، بعدما فرض موجوداً، بل أن قرن باعتبار ذاته شرط، مثل شرط عدم علته، صار ممتنعاً، أو مثل شرط وجود علته، صار واجباً(21)".‏
    وهذا يعني، أنه يكفينا أن نتأمل معنى واجب الوجوب، حتى نقر بوجوده. وبهذا الصدد يقول ابن سينا: "تأمل كيف لم يحتج بياننا لثبوت الأول ووحدانيته، وبراءته، عن الصفات، إلى تأمل لغير نفس الوجود، ولم يحتج إلى اعتبار من خلقه وفعله، وإن كان ذلك دليلاً عليه. لكن هذا الباب أوثق وأشرف، أي إذا اعتبرنا حال الوجود، يشهد به الوجود من حيث هو وجود، وهو يشهد بعد ذلك على سائر ما بعده في الوجود(22)".‏
    د ـ علم ما بعد الطبيعة:‏
    يطلق ابن سينا على هذا العلم، اسم "الفلسفة الأولى"، ويجعل موضوعه أموراً ومعاني قد تخالط المادة وربما لا تخالطها، فتكون في جملة ما يخالط، وفي جملة ما لا يخالط، مثل الوحدة والكثرة، مثل الكلي والجزئي، مثل العلة والمعلول(23). وهذه أمور يستغني وجودها عن مخالطة التغير أصلاً، وإذا خالطها كانت مخالطته بالعرض، لأن ذاته مفتقرة في تحقيق الوجود إليه(24).‏
    ومعنى هذا، أن موضوعات هذا العلم هي معان عقلية مجردة لا يخالطها التغير مادامت كذلك، وهذه حقيقتها الجوهرية. بيد أنه من الممكن لها أن تخالط المادة حينما تتحقق في بعض الموجودات. وعندئذٍ تتحقق في الوجود، وتصبح خاضعة للتغير، شأنها في ذلك شأن كل وجود متحقق. وهذه أعراض تطرأ عليها، دون أن تغير من طبيعتها الجوهرية، إذ أن طبيعتها أن تبقى معاني مجردة، وهي بما هي كذلك ثانية لا تتغير.‏
    ويمكننا أن نقسم هذا العلم إلى قسمين:‏
    1ـ قسم يتعلق بالنظر في معرفة المعاني العامة لجميع الموجودات، مثل الهوية و الوحدة والكثرة، مثل الوفاق والخلاف والتضاد، مثل القوة والفعل، مثل العلة والمعلول.‏
    2)ـ قسم يتعلق بالنظر في الأصول والمبادئ التي ترتكز إليها بعض العلوم، مثل علم الطبيعيين وعلم الرياضيين وعلم المنطق، ومناقضة الآراء الفاسدة فيها(25). وهذا يعني، أن أهمية هذا العلم لا تقتصر على المعاني العامة لجميع الموجودات، بل تتجاوزها إلى جانب هام يجعل الفلسفة الأولى علماً تقوم عليه العلوم الجزئية، وتستمد قوتها منه، إنه بهذه النظرة يصبح الأساس الذي لا يمكنها أن تستغني عنه، لأنها تستمد أصولها ومبادئها منه.‏
    وبهذا الصدد يقول ابن سينا: "كل واحد من العلوم الجزئية ـ وهي المتعلقة ببعض من الأمور والموجودات ـ يفتقر المتعلم فيه، إلى أن يتعلم أصولاً ومبادئ تتبرهن في غير علمه، مستعملة على سبيل الأمور الموضوعة، والطبيعي علم جزئي، وله أصول موضوعة فنعدها عداً ونبرهن عليها في الحكمة الأولى(26)".‏
    وهكذا نلاحظ إلى أي حد يلح ابن سينا على ضرورة ربط العلوم النظرية بعضها ببعض، وربط أصولها ومبادئها بالفلسفة الأولى، لتكتسب منه صفة الضرورة. فهل وضع العلوم العملية شبيه بوضع العلوم النظرية؟ إن هذا ما نريد أن ننتقل إليه الآن للنظر فيه.‏
    (3) العلوم العملية:‏
    إذا كانت الغاية من العلوم النظرية هي حصول الاعتقاد اليقيني بحال الموجودات في سبيل حصول رأي بصددها فحسب فإن الغاية من العلوم العملية لا تتوقف عند هذا الحد، بل تتجاوزه إلى استخدام هذا الرأي في عمل يتصف بالخير. فالغاية من العلوم النظرية هي اكتساب الحق، في حين أن الغاية من العلوم العملية هي تحصيل الخير. والمرء في العلوم النظرية لا يتجاوز العلم إلى العمل، في حين أنه لابد له في العلوم العملية من تجاوز العلم إلى العمل(27). وهذه العلوم أربعة:‏


    آ ـ علم الأخلاق:‏
    وهو العلم الذي يعلم المرء به كيف يجب أن يكون هو نفسه، وكيف يجب أن تكون أحواله التي تخصه، حتى يكون سعيداً في الدنيا والآخرة(28). إذ من فوائد هذا العلم، أنه يعلم أمهات الفضائل، ويدل على السبل التي ينبغي أن تسلك لاقتنائها، فتزكو النفس بها، كما أنه يعلم الرذائل، ويدل على مسالكها التي ينبغي توقيها والابتعاد عنها، حتى تظل النفس طاهرة نقية(29).‏
    ولكن الأخلاق مرتبطة بالأوضاع الشرعية والسنن الإلهية و التعبدات البدنية، في سبيل تطرية الزينة في النفس، والفكرة في الملك الأول وملكه.(30).‏
    وكل ذلك مرتبط بإدراكها المعقولات، وبلوغ العدالة، بتوسط النفس بين الأخلاق المتضادة، وحصول السعادة من جراء ذلك(31). وعندئذٍ يذعن البدن للنفس، ويسلس قياده لها. وذلك لأن سعادة النفس في كمال ذاتها ـ من الجهة التي تخصها ـ هي صيرورتها عالماً عقلياً، وسعادتها ـ من جهة العلاقة التي بينها وبين البدن ـ هي أن تكون لها الهيئة الاستعلائية(32).‏
    ولكن ذلك مرتبط بالسنن. وبهذا الصدد يقول ابن سينا:"ويجب أن يكون السَّادنُّ يسن أيضاً في الأخلاق والعادات سنناً تدعو إلى العدالة التي هي الوساطة، والوساطة تطلب في الأخلاق والعادات بجهتين: فأما ما فيها من كسر غلبة القوى، فلأجل زكاء النفس خاصة، واستفادتها الهيئة الاستعلائية، وأن يكون تخلصها من البدن تخلصاً نقياً، وأما ما فيها من استعمال هذه القوى، فلمصالح دنيوية. وأما استعمال اللذات فلبقاء البدن والنسل، وأما الشجاعة فلبقاء المدنية(33)".‏
    ب ـ علم تدبير المنزل:‏
    وهو العلم الذي يعرف منه الإنسان، كيف ينبغي أن يكون تدبيره لمنزله المشترك بينه وبين زوجه وولده ومملوكه، حتى تكون منتظمة مؤدية إلى التمكن من كسب السعادة(34). وفائدة هذا العلم أنه يبين وجوه المشاركة التي ينبغي أن تكون بين أهل منزل واحد، حتى تنتظم المصلحة المنزلية بينهم(35).‏
    بيد أن هذا العلم، وإن كان يبين كيف يجب أن تجري وجوه المشاركة بين المرء وزوجه وولده ومملوكه، فإنه لا يستغرب جميع وجوه المشاركة، إذ المشاركة التي يستغرقها مشاركة جزئية تقتصر على المنزل الواحد، حتى يكون على نظام فاضل(36).‏
    ولكن وجوه المشاركة هذه تحددها الشريعة، فهي التي تحدد علاقة الرجل بزوجه وولده ومماليكه. وبهذا الصدد يقول ابن سينا في علاقة الرجل بزوجه: "فبالحري أن يسن عليها في بابها التستر والتخدر. فلذلك ينبغي أن لا تكون المرأة من أهل الكسب كالرجل(37)". ويقول في الولد وعلاقته بوالديه: "ويسن في الولد أن يتولاه كل واحد من الوالدين بالتربية. أما الوالدة فبما يخصها، وأما الوالد فالنفقة. وكذلك الولد يسن عليه خدمتهما وطاعتهما وإكبارهما وإجلالهما، فهما سبب وجوده(38)".‏
    جـ ـ علم تدبير المدينة:‏
    إذا كان علم تدبير المنزل يتطرق إلى معرفة كيف ينبغي أن تكون وجوه المشاركة الجزئية في المنزل الواحد، فإن هناك علماً آخر غيره يتطرق إلى معرفة كيف ينبغي أن تكون وجوه المشاركة الكلية، لا في المنزل الواحد، بل في المدينة بأسرها(39).‏
    وهذا العلم هو علم تدبير المدينة. أما الفائدة من هذا العلم فهي معرفة كيف يجب أن تكون وجوه المشاركة التي تقع بين أشخاص الناس على اختلافهم، لكي يتعاونوا على مصالحهم أفراداً، ويتآزروا في سبيل بقاء نوعهم(40).‏
    وهذا ما يدفعهم إلى معرفة أصناف السياسات والرئاسات والاجتماعات، سواء أكان ذلك في المدينة الفاضلة أم في المدينة الرديئة، وإلى معرفة أسباب نشوء كل نوع، وعلل زواله، والمراحل التي يمر بها منذ نشوئه حتى زواله، والصور التي يتخذها في أثناء انتقاله(41).‏
    ولما كان علم تدبير المدينة مختلفاً عن علم تدبير المنزل، لاختلاف وجوه المشاركة في المدينة عن وجوهها في المنزل، كان لابد أن تتم كل مشاركة بقانون مشروع، وبمتولٍ ذلك القانون المشروع، يراعيه، ويعمل عليه، ويحفظه، ولا يجوز أن يكون إنسان واحد هو المتولي لحفظ ما قنن في الأمرين جميعاً، إذ لا يجوز أن يتولى تدبير المدينة بل لابد من أن يكون للمدينة مدبر، ولكل منزل مدبر(42).‏
    ولكن تدبير أمر المدينة لا يمكن أن يكون، من دون سنن تجري عليها، ومن دون سانٍ يضع هذه السنن. يقول ابن سينا: "فمن كان منهم غير محتاط في عقد مدينته على شرائط المدنية، وقد وقع منه ومن شركائه الاقتصار على اجتماع فقط، فإنه يتحصل على جنس بعيد الشبه من الناس، عام لكمالات الناس، ومع ذلك، فلابد لأمثاله من اجتماع، ومن تشبه بالمدنيين. وإذا كان ظاهراً، فلابد في وجود الإنسان وبقائه من مشاركة، ولا تتم المشاركة إلا بمعاملة، كما لابد في ذلك من سائر الأسباب التي تكون له، ولابد في المعاملة من سنة وعدل، ولابد للسنة والعدل من سان ومعدل. ولابد أن يكون هذا إنساناً. ولا يجوز أن يترك الناس وآراءهم في ذلك، فيختلفون، ويرى كل منهم ماله عدلاً، وما عليه ظلماً(43)".‏
    د ـ علم النّبي:‏
    وفوق هذه العلوم العملية الثلاثة، نجد علم النّبي، الذي تستمد منه أصولها، إذ أن مبدأ هذه العلوم الثلاثة مستفاد من جهة الشريعة الإلهية، وكمالات وجودها تستبين بها. بيد أن ذلك لا يكون من دون القوة النظرية التي يتمتع بها البشر. إن هذه القوة هي التي تتصرف بهذه العلوم، في ضوء الشريعة الإلهية، فتتناول القوانين التي عرفتها، والتي هي كلية، فتستعملها في الجزئيات التي تعرض لها هذه العلوم(44). ولهذا، فليس من الحكمة في شيء، أن يفرد التقنين للفرد، والتقنين للمنزل، والتقنين للمدينة، كل على حدته، بل الأحسن أنه يكون المقنن لما يجب أن يراعى في كل من العلوم الثلاثة، شخص واحد هو النّبي(45).‏
    وهنا نلمس فارقاً أساسياً بين التدبير والتقنين. إن تدبير المنزل وتدبير المدينة ينبغي أن يكون كل منهما على حدته. ولكن التقنين واحد منهما، بل في علم الأخلاق معهما أيضاً. ولهذا كان الأحسن أن يفرد العلم بالأخلاق، والعلم بتدبير المنزل، والعلم بتدبير المدينة، كل على حدته، وأن تجعل الصناعة الشارعة وما ينبغي أن تكون عليه، أمراً مفرداً(46)، في هذه العلوم الثلاثة.‏
    فبهذا العلم، عدا ما ذكرنا ـ تعرف وجوه النبوة، وحاجة النوع الإنساني ـ في وجوده وبقائه ومنقلبه ـ إلى الشرائع التي يأتي بها الأنبياء، كما يعرف من جهة أخرى، بعض الحكمة في الحدود الكلية المشتركة في الشرائع، والتي تحض شريعة شريعة، بحسب قوم قوم، وزمان زمان، ويعرف الفرق بين النبوة الإلهية والدعاوي الباطلة كلها(47).‏
    وهكذا يكون علم النبي أساساً تقوم عليه العلوم العملية الثلاثة، كما كان علم ما بعد الطبيعة أساساً تقوم عليه العلوم النظرية الثلاثة. وبهذا الصدد يقول ابن سينا: "فواجب إذن، أن يوجد نبي، وواجب أن يكون إنساناً، وواجب أن يكون له خصوصية ليست لسائر الناس، حتى يستشعر الناس فيه أمراً لا يوجد لهم، فيتميز به عنهم، فتكون له المعجزات التي أخبرنا بها. فهذا الإنسان ـ إذا وجد ـ وجب أن يسن للناس في أمورهم سنناً بأمر الله تعالى وإذنه ووحيه، وإنزاله الروح القدس عليه، فيكون الأصل فيما يسنه، تعريفه إياهم أن لهم صانعاً واحداً قادراً، وأنه عالم بالسر والعلانية، وأن من حقه أن يطاع أمره، وأنه يجب أن يكون الأمر لمن له الخلق، وأنه قد أعد لمن أطاعه المعاد المسعد، ولمن عصاه المعاد الشقي، حتى يتلقى الجمهور رسمه المنزل على لسانه من الإله والملائكة، بالسمع والطاعة(48)".‏
    4ـ التعقيب على أساس العلوم العملية:‏
    ولكن، هل يعني هذا، أن أساس العلوم العملية غير أساس العلوم النظرية؟ إذا تذكرنا ما ذهب إليه ابن سينا من فرق بين العلوم النظرية والعلوم العملية، وهو أن الأولى غايتها حصول رأي فحسب، وأن الثانية غايتها استخدام هذا الرأي من الأعمال، كان لابد لنا من أن نستنتج العلاقة الوثيقة بين هذين النوعين من العلوم.‏ ومعنى هذا، أنه لابد للعلوم العملية من أن تستند إلى الأساس الذي تستند إليه العلوم النظرية، في نهاية الأمر. وبهذا الصدد يقول ابن سينا:"فقد دلت على أقسام الحكمة، وظهر أنه ليس شيء منها يشتمل على ما يخالف الشرع. فإن الذين يدعونها ثم يزيغون عن منهاج الشرع، إنما يضلون من تلقاء أنفسهم، ومن عجزهم وتقصيرهم، لأن الصناعة نفسها توجبه، فإنها بريئة منهم(49)".‏
    وهكذا يتبين لنا، أن علم النبي لا يعرف إلا بالوحي، وأن الوحي فرع من فروع العلم الإلهي، وأن العلم الإلهي جزء من الفلسفة الأولى. وهذا يعني، أن علم النَّبي يستند في نهاية التحليل، إلى علم ما بعد الطبيعة. أما أن علم النبي لا يعرف إلا بالوحي، فهذا ما أشار إليه ابن سينا، حينما قال: "... بل الناموس عندهم هو السنة النازلة، والمثال القائم الثابت، ونزول الوحي. والعرب أيضاً تسمى الملك النازل بالوحي ناموساً. وهذا الجزء من الحكمة العملية يعرف به وجود النبوة، وحاجة نوع الإنسان في وجوده وبقائه و منقلبه، إلى الشريعة(50)".‏
    وأما أن الوحي فرع من فروع العلم الإلهي، فهذا ما يمكننا أن نفهمه من كلام ابن سينا، حين أخذ في سرد فروع العلم الإلهي، فقال:" فمن ذلك معرفة كيفية نزول الوحي والجواهر الروحانية التي تؤدي الوحي، وأن الوحي كيف يتأدى حتى يصير مبصراً أو مسموعاً بعد روحانيته(51)".‏
    وأما أن العلم الإلهي جزء من الفلسفة الأولى، فهو معروف. ولكن لا بأس علينا، إذا استشهدنا بنص من نصوص ابن سينا، لنتأكد من أنه يجري في مجرى ما هو معروف. يقول في تعداد أقسام الحكمة النظرية ما يلي: "وحكمة تتعلق بما وجوده مستغن عن مخالطة التغير، فلا يخالطها أصلاً، وإن خالطها فبالعرض، لأن ذاتها مفتقرة في تحقيق الوجود إليها، وهي الفلسفة الأولى، والفلسفة الإلهية جزء منها، وهي معرفة الربوبية"(52).‏
    وهكذا يبدو لنا بوضوح، إن علم النبي يعتمد ـ من الناحية النظرية ـ على علم ما بعد الطبيعة، وإذا كانت العلوم العملية تعتمد من الناحية العملية على علم النبي، كان لابد لها ـ من الناحية النظرية ـ من أن تعتمد على علم ما بعد الطبيعة، شأنها في ذلك شأن العلوم النظرية.‏
    2 ـ قيمة مفهوم العلم في خطاب ابن سينا
    ولكن، ما الذي ننتهي إليه من عرضنا السابق؟ وما قيمة المفهوم الذي قدمه ابن سينا لنا عن العلم، في ميزاننا الحديث؟ يمكننا أن ننظر إلى المسألة من ناحيتين: ناحية الشمول، وناحية الطبيعة، فنتكلم في الأولى على الأنظمة التي كانت تعد علماً، وكيف تطورت فصارت إلى ما صارت إليه في عصرنا الحاضر، ونتكلم في الثانية، على النظرة إلى خصائص العلم كيف فهمها ابن سينا، وكيف أصبحنا ننظر إليها في أيامنا هذه. فلنبدأ بناحية الشمول.‏
    1 ـ لابد لنا قبل إبداء رأينا في مفهوم العلم لدى ابن سينا، من أن نشرع في استخلاص نتيجة مما سبق لنا أن عرضناه، تمهيداً لإبداء هذا الرأي. ويمكننا أن نحصر هذه الخلاصة في النقاط التالية:‏
    أولاً ـ إن العلم لدى ابن سينا نوعان: علم هو آلة، وعلوم هي غاية، والعلوم التي هي غاية بعضها نظري، وبعضها عملي، بيد أنه ما من انفصال بين النوعين، لأن العلم الذي هو غاية يتآلف نسيجه في نوعيه، من العلم الذي هو آلة، فبه تترابط أجزاؤه فيما بينها، ويكون الأعم شاملاً ماهو أقل عمومية، والعام شاملاً ماهو خاص، والخاص شاملاً ما هو أخصّ. وإذا نحن أخذنا مثالاً شارحاً من العلم الرياضي، وجدنا علم العدد يدخل تحته الجمع والتفريق بالهندي، كما يدخل تحته الجبر و المقابلة. ولكنه واحد من أربعة علوم، هي علم العدد، وعلم الهندسة، وعلم الهيئة، وعلم الموسيقى، وكلها تستمد يقينها من الرياضيات بما هو علمها الشامل، والرياضيات تستمد يقينها الأول من علم ما بعد الطبيعة.‏
    ثانياً ـ إن العلوم التي هي غاية تنقسم إلى علوم نظرية وعلوم عملية. والعلوم العملية تستند إلى أعلاها وهو علم النبي، من الناحية العملية، ولكنها تستند هي وعلم النبي إلى علم ما بعد الطبيعة، من الناحية النظرية. وهكذا فعلم الأخلاق يستمد يقينه العملي من علم النبي الذي حدد ما هو عدل وما هو خير الخ.‏ ويستمد يقينه النظري من علم ما بعد الطبيعة، ولاسيما معانيه النظرية التي يعتمد عليها، مثل العدالة والخير الخ..... ولكن علم النبي ليس نهاية المطاف من الناحية النظرية، لأنه يستمد يقينه من العلم الإلهي، الذي يستمد يقينه من علم ما بعد الطبيعة.‏
    ثالثاً ـ إن أساس اليقين هو علم ما بعد الطبيعة، والطريق إليه هو المنطق: فيكفي أن نربط بالمنطق، الحقائق الجزئية ربطاً متسلسلاً محكماً، بحقائق العلم الإلهي وعلم ما بعد الطبيعة، حتى نبلغ الحقيقة الكلية التي تشمل الحقائق الجزئية كلها.‏
    إذا تأملنا هذه النقاط الثلاث، بدت لنا العلوم ـ في نظر ابن سينا ـ منظومة متكاملة مترابطة الأجزاء ارتباطاً محكماً، بحيث يمكن الانتقال من أحدها إلى الآخر، انتقالاً عقلياً من ناحية، ولكنه يمكن استشارة الشريعة في تحديد مفهومات العلوم العملية وعلاقاتها، من ناحية أخرى. وهنا لابد لنا أن نتساءل: من أين استقى ابن سينا هذا الرأي، وما وجه تجديده فيه؟‏
    إن كل من اطلع على تاريخ الفلسفة اليونانية عامة، وعلى فلسفة أرسطو خاصة، لابد له من أن يرى أن ابن سينا يتابع في هذا المعلّم الأول من ناحية، ويضيف إليه رأي الشريعة الإسلامية. والحقيقة، فالجانب النظري مأخوذ من أرسطو، فهو الذي ربط العلوم كلها بعلم ما بعد الطبيعة.. ولكنه منطقها وفلسفها حيث ربطها بعلم النبي أولاً، وتابع ربطها بالعلم الإلهي وعلم ما بعد الطبيعة، ثانياً.‏
    وإذا كان هذا هكذا، حق لنا أن نتساءل، ما قيمة مفهوم العلم عند ابن سينا في ميزان علمنا الحديث؟ إن نظرة مدققة نلقيها على ما تقدم، ترينا أن كثيراً من هذه العلوم لم تعد علوماً في نظرنا. إن أكثرها يدخل في نطاق المباحث الفلسفية، التي أصبحنا نقيم بينها وبين المباحث العلمية والحقيقة، حواجز فاصلة..‏
    1 ـ فالمنطق كان ولا يزال آلة تحصيل العلم، أكثر من أن يكون علماً بالمعنى الحديث للكلمة، وقد نما نمواً كبيراً، وتشعب تشعباً واسعاً، ولاسيما قسمه التطبيقي الذي رافق نمو العلوم الوضعية، الطبيعية منها والإنسانية، منذ عهد الإحياء الأوروبي.‏
    2 ـ والعلوم النظرية يكاد يكون أكثرها مباحث فلسفية، ولا يخرج عن ذلك سوى العلوم الرياضية وفروع العلم الطبيعي، مثل علم المعادن وعلم النبات وعلم الحيوان وعلم الآثار العلوية. أما العلم الطبيعي ذاته فلم يكن علماً بمفهومنا الحديث، بل جزءاً من الفلسفة، هو الذي أصبحنا نسميه بالكوسمولوجيا. إنه اليوم دراسة للحوادث الطبيعية من فيزيائية وكيميائية وحيوية (بيولوجية)، وقد كان بالأمس دراسة للمادة و الحركة والزمان والمكان. وفضلاً عن ذلك، فقد كان علم النفس عند القدماء (وعند ابن سينا أيضاً). جزءاً من العلم الطبيعي، في حين أصبح في أيامنا علماً قائماً بنفسه ومستقلاً عنه، عدا أنه أصبح يعنى بدراسة الحوادث النفسية أو السلوك البشري، بعد أن كان يعنى بإثبات وجود النفس وحوادثها ووحدتها و جوهريتها وروحانيتها، ويعدد قواها ودرجات استعدادها.‏
    3 ـ أما العلوم العملية فلم يعد لها مكان بين العلوم، لأن العلم أصبح نظرياً في رأينا، وإن كانت له تطبيقات عملية، ولهذا أصبح التفريق الحديث تفريقاً بين علوم وضعية وعلوم معيارية، فغدت العلوم الوضعية هي العلوم على الحقيقة، وأدخلت العلوم المعيارية في عداد المباحث الفلسفية. ومن هذه علم الأخلاق، وعلم تدبير المدينة (السياسة). أما علم تدبير المنزل، فقد نما واتسع وتشعب وتطور، وأصبح علماً وضعياً ندعوه علم الاقتصاد، الذي أصبح له قوانينه ونظرياته الخاصة. وإن كانت ملامحه الجديدة لا تذكرنا كثيراً بملامحه القديمة. وأما علم النبي فهو الشريعة في ثوبها الديني الإسلامي. ولا يخفى أن الشريعة شيء والعلم شيء آخر، بالمعنى الدقيق لكلمة علم.‏
    ومن هذا نرى، إن مفهوم العلم لدى ابن سينا، كان أشمل بكثير من مفهومه لدينا: فلم يكن هناك تفريق بين بحث فلسفي وآخر علمي، بين علم وضعي وآخر معياري، حتى إن البحث العلمي كان يوضع تحت البحث الفلسفي، والعلم المعياري كان يختلط بالعلم الوضعي.‏
    2 ـ ولكن، لننتقل الآن إلى الناحية الثانية من موضوعنا، وهي طبيعة العلم، ولنتساءل عن خصائصه في نظر ابن سينا وفي نظرتنا الحديثة.‏
    إذا رجعنا إلى منطق المشرقيين ـ وهو من كتب ابن سينا المتأخرة ـ وجدناه يفرق بين نوعين من المعرفة:‏
    1 ـ معرفة عابرة وغير دائمة، ولا تجري أحكامها مدى الدهر كله، وهي إن صدقت، كان صدقها في زمان دون زمان، وفي حالات دون حالات، ثم يسقط صدقها فيما بعد. إن هذا النوع من المعرفة لا يستحق أن يسمى علماً.‏
    2 ـ معرفة ثابتة ودائمة، وأحكامها تجري مدى الدهر كله، فهي متساوية النسب إلى أجزاء الزمان جميعاً، وصادقة في الحالات كلها. إن هذا النوع من المعرفة هو الذي يصدق عليه اسم العلم، بالمعنى الصحيح للكلمة.(53).‏
    إن النوع الأول من المعرفة لا يهمنا. بقي النوع الثاني وهو الذي يجب علينا أن نوازن بينه وبين العلم بمفهومه الحديث، من خلال ما أتينا على ذكره من العلوم المختلفة التي عرضها ابن سينا، فلنتأمل تعريفه للعلم بعض التأمل. إنه يتألف من قسمين متساويين: الأول "معرفة ثابتة ودائمة"، والثاني: "أحكامها تجري مدى الدهر كله، فهي متساوية النسب إلى أجزاء الزمان جميعاً، وصادقة في الحالات كلها". إننا إذا أنعمنا النظر قليلاً في القسمين، وجدنا أن القسم الثاني تفسير للقسم الأول. فالتعريف هو بالاختصار: "معرفة ثابتة ودائمة"، أما تفسيره فهو "أحكامها تجري مدى الدهر كله"، أما عبارتا "وهي متساوية النسب إلى أجزاء الزمان جميعاً، وصادقة في الحالات كلها"، فليستا إلا فضاً لمضمون عبارة التفسير. وهذا يعني في التحليل الأخير، إن العلم هو المعرفة الثابتة والدائمة في نظر ابن سينا.‏
    فلننطلق من هذا التعريف، ولنتساءل: ألا زلنا في عصرنا الحاضر نؤمن بعلم ثابت ودائم، كما كان ابن سينا يؤمن؟ إذا أخذنا الرأي الشائع عن العلم، كان لابد لنا من أن نرى تطابقاً تاماً بينه وبين ما يراه ابن سينا، بل أن هذا الرأي هو الذي ظل سائداً إلى أواخر القرن التاسع عشر: فالعلم جملة من القوانين العلمية التي تنظم الحقائق الجزئية، والقانون العلمي هو العلاقة الثابتة بين ظاهرتين أو أكثر. ومتى قلنا ثابتة، قلنا دائمة في الوقت ذاته.‏
    ولكن هذا الرأي تغير الآن بين العلماء، ولاسيما أولئك الذين وصلوا في علمهم إلى الحدود المتاخمة للتفكير العلمي الابستمولوجي، فهؤلاء يعتقدون أنه ما من معرفة ثابتة، وأن العلم عملية فتح مستمرة يغزو بها العقل العلمي مجالات الطبيعة، فتتمخض عنها الكشوف العلمية، بالانتقال من النظرية إلى نقيضها، ثم بمحاولة التوفيق بين النقيضين، من أجل الانتهاء إلى القول بتتامهما، في سبيل إقامة معرفة ذات طابع عضوي، يؤدي أي تغيير في جانب من جوانبها، إلى التغير في العضوية كلها، وهذا يجعل الجهود المبذولة في نطاق العلم جهوداً ذات صفة تاريخية، تنقح أو تصحح اليوم، ما قالته بالأمس، ولا تضمن استمرار صدقه في الغد، وهذا يعني أن المعرفة التي نمتلكها، أو التي سوف نمتلكها، تظل ناقصة ومؤقتة، وأنه لابد للإنسان من متابعة الجهد والكشف باستمرار، ومراجعة النتائج الجزئية مراجعة متواصلة، من أجل إعادة التأليف الأخير إعادة مؤقتة، لابد من القيام بها من جديد في محاولات متجددة لا إلى نهاية.‏
    ولكن، هل نخرج من كلامنا هذا، بأن العلم الحديث محق فيما يذهب إليه، وأن القدماء ـ وابن سينا منهم ـ كانوا مخطئين؟ لنلاحظ أننا إذا فهمنا العلم بمفهومه الجزئي، كان لابد لنا من أن نسلم بما ذهب إليه العلم الحديث، وأننا إذا فهمناه بمفهومه الكلي، كان لابد لنا من أن نسلم مع القدماء، بأن هناك علماً كلياً يشمل العلوم الجزئية، وإن هذا العلم لابد له من أن يكون ثابتاً ودائماً. فإلى أية جهة نميل؟ أنقول بالعلم الجزئي أم بالعلم الكلي؟ في الحالة الأولى، نكون قد سلمنا بأنه ما من حقيقة كلية، بل حقائق جزئية منفصل بعضها عن بعض. وفي الحالة الثانية، نكون قد سلمنا بالحقيقة الكلية والحقائق الجزئية في وقت واحد معاً، وتكون الحقيقة الكلية هي المنظومة التي تنتظم فيها الحقائق الجزئية جميعاً، فما المسوغ الذي يدعونا إلى القول بهذا الرأي أو ذاك؟ إذا توقفنا عند حدود العلم بما هو؟ علم، أي بصرف النظر عن العالم الذي هو علم له، لم يكن لدينا أي مسوغ لتبني هذا الرأي أو ذاك، وأصبح القول بأحدهما أو الآخر مقبولاً. ولكن، هل هناك علم من دون عالم هو علم له؟ إننا لا نعتقد ذلك، ولا نظن أن هناك من يعتقد ذلك. وإذا قدر لأحدهم أن يدعي ذلك، كان لابد للعلم من أن يكون عبثاً، وأن يصح عندئذٍ أي رأي مهما كان غريباً‍.وهذا يعني، أن العلم لا يمكن أن يستقل عن العالم، إذ كل علم هو علم بشيء من الأشياء، مهما ابتعدنا في طريق التجريد. و في هذه الحال، ألا يحق لنا أن ننقل المسألة من مستواها العلمي إلى مستواها الوجودي؟
    هذا و مهما يكن فإن مكانة ابن سينا الفلسفية، وهو الفيلسوف العقلاني الروحي، قد فاقت مكانته العلمية. ونظرته الميتافيزيقية العميقة وإيمانه الراسخ بالله وبروحانية النفس الإنسانية وحقوقها قد صبغا دراساته العلمية بطابع إنساني بل بمسحة دينية.‏ فكان دقيقاً في ملاحظاته العلمية واستقراءاته، إلا أنه في الوقت نفسه، لم يغفل غاية الإنسان القصوى ونظام الكون، وعودة المخلوقات إلى منبعها الأصلي. فاستطاع أن يوفق بين نزعته الأفلاطونية المحدثة ونزعته الدينية.‏
    ثانياً ـ المساهمة العلمية الكبرى لابن سينا في التاريخ الفكري هي المنهج الذي استعمله في أبحاثه. وهو مبني على المشاهدة الشخصية والتجربة والاستقراء. وقد كان قانونه ودراساته العلمية الأخرى حلقة في غاية الأهمية في سلسلة مراحل النمو العلمي وتطوره.. فقد مدّت حركة الترجمة في القرن التاسع في بغداد، مفكري العالم الإسلامي بتراث فلسفي وعلمي غني كل الغنى. وكان فضل ابن سينا ذي العقل المُصَنِّف المنظم أن يجمع هذا التراث على شكل دائرة معارف شاملة، بعد أن أضاف إليه نتائج بحوث من سبقه من علماء العرب وما توصل إليه هو شخصياً باجتهاده العلمي الدائب.‏
    ثالثاً ـ يمكننا أن نميز في الإنتاج العلمي السينوي وجهين:‏
    الوجه الخاص بفلسفة العلوم أعني ارتباط العلوم بعضها ببعض وصلتها بالعلم الأعلى أي الحكمة وهي في قمة المعرفة والفلسفة. ونظريته الخاصة بترتيب العلوم وما يعطيه العلم العالي إلى العلم المرتب تحته من مبدأٍ وموضوعٍ، قد انتشرت في القرون الوسطى تحت اسم subalternatio وأصبحت كلاسيكية وقد أقرها اللاهوتيون المسيحيون قطبقوها في تحديد صلة العلم اللاهوتي بالعلم الفلسفي وصلته بعلم القديسين في مشاهدة الله في الآخرة vision beatifica. كما أن فلاسفة معاصرين مثل جاك ماريتان Jacques Maritain قد تبنوا هذه النظرية، بعد توسيعها وتنقيحها وحاولوا أن يكونوا فلسفة علوم تتلاءم مع العلوم الحديثة والمعاصرة.‏
    والقسم الثاني في إنتاج ابن سينا العلمي هو ما نستطيع أن نسميه بالعلم الوصفي أو الموضوعي. ومن هذه الناحية يمكننا أن نستخلص مما جاء في كتاب القانون أوصافاً مفيدة في وقتنا الحاضر.‏
    وأخيراً يجب ألا يكون موقفنا من ابن سينا العالم مجرّد موقف إعجاب وفخر، بل لابد من أن تتبنى روحه العلمية، وشغفه بالبحث والدأب على العمل بحيث نستطيع أن نثبت قدرتنا على العلم والابتكار لا بتقديم مؤلفات ابن سينا والتشدّق بعبقريته بل بمساهمتنا الفعلية في جميع ميادين العلوم الحديثة.‏
    فنتساءل: هل هناك عالم واحد أم جملة من العوالم؟ أن القول بجملة من العوالم يعني أنها عوالم مستقل بعضها عن بعض، وأن استقلال بعضها عن بعض يعني أنه لا يمكن لها أن تتبادل الأثر والتأثير، وأنه لا يمكننا بالتالي أن نربط بينها في نظرة علمية. وفي هذا إبطال لعمومية العلم، والإيمان بأنه يقتصر على عالم دون عالم، أي أن هناك أموراً لا يطالها العلم ولا هي تخضع له. ولكن، من منا يستطيع أن يسلم بهذه النتيجة؟ أليس إنكار عمومية العلم إنكاراً لشرعيته؟ ولكن العلم مشروع بدليل قيامه وممارسته، وشرعيته لا تقتصر على عالم دون عالم، بل تشمل العوالم جميعاً. وإذا كان الأمر كذلك، أفلا يعني هذا أن هناك علماً كلياً وراء العلوم الجزئية كلها، وأن هناك عالماً كلياً واحداً وراء العوالم الجزئية المختلفة؟ وهذا يجعلنا نتساءل: كيف يمكننا أن نربط بين الحقائق الجزئية في داخل العالم الواحد، ولا يمكننا أن نربط بين الحقائق في جملة هذه العوالم؟ إن في هذا تناقضاً دون شك، وهو لا يقف عند حدود التناقض، بل يتجاوزه إلى الشك في حقيقة العلم ذاته. فالعلم إما أن يكون عاماً أو لا يكون علماً على الإطلاق! و إذا كان الأمر كذلك، كان لابد لنا من التسليم بأن هذه العوالم ليست مستقلاً بعضها عن بعض، وأنها تتبادل الأثر والتأثير فيما بينها، أي أنها تؤلف عالماً كلياً واحداً.‏
    .
    المصــادر و المراجع:‏
    (1)ـ ابن سينا ، منطق المشرقيين، ص 5، المكتبة السلفية، القاهرة 1910م.‏
    (2)ـ ابن سينا، منطق المشرقيين، ص 5-6.‏
    (3)ـ ابن سينا، الإشارات والتنبيهات، ج1، ص 167-178، دار المعارف بمصر 1960م.‏
    (4)ـ ابن سينا، البرهان من الشفاء، ص 6، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة 1954م.‏
    (5)ـ ابن سينا، أقسام العلوم العقلية، في "تسع رسائل"، ص 116-118 مطبعة هندية بمصر 1908.‏
    (6)ـ ابن سينا، الطبيعيات من عيون الحكمة، في "تسع رسائل"، ص2.‏
    (7)ـ أقسام العلوم العقلية، ص 105.‏
    (Coolـ منطق المشرقيين، ص6.‏
    (9)ـ أقسام العلوم العقلية، ص 105-106.‏
    (10)ـ النجاة ص 98، مطبعة السعادة، الطبعة الثانية 1938م.‏
    (11)ـ أقسام العلوم العقلية، ص 110-111.‏
    (12)ـ النجاة ص 98.‏
    (13)ـ منطق المشرقيين، ص6، وأقسام العلوم العقلية، ص 106.‏
    (14)ـ الطبيعيات من عيون الحكمة ص 3.‏
    (15)ـ أقسام العلوم العقلية ص 111-112.‏
    (16)ـ البرهان من الشفاء، ص 135.‏
    (17)ـ أقسام العلوم العقلية ص106.‏
    (18)ـ منطق المشرقيين، ص 6.‏
    (19) ـ النجاة ص 198.‏
    (20) ـ أقسام العلوم العقلية ص 112-116.‏
    (21) ـ الإشارات والتنبيهات، القسمان الثالث والرابع، ص 447، دار المعارف، بمصر 1958.‏
    (22) ـ المصدر المذكور، ص 482.‏
    (23) ـ منطق المشرقيين ص 7.‏
    (24) ـ الطبيعيات من عيون الحكمة، ص 3.‏
    (25) ـ أقسام العلوم العقلية ص112.‏
    (26) ـ الطبيعيات من عيون الحكمة، ص 3-4.‏
    (27) ـ أقسام العلوم العقلية ص105.‏
    (28) ـ منطق المشرقيين ص 7.‏
    (29) ـ الطبيعيات من عيون الحكمة، في تسع رسائل ص 3.‏
    (30) ـ رسالة في الأخلاق، في تسع رسائل، ص 156.‏
    (31) ـ رسالة في العهد، في تسع رسائل، ص149.‏
    (32) ـ رسالة في العهد، ص

      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يوليو 23, 2017 3:52 am