مرحبا بكم في هذا المنتدى الخاص بعلوم الإعلام و الإتصال و العلوم السياسية والحقوق و العلوم الإنسانية في الجامعات الجزائرية
. نرحب بمساهماتكم في منتدى الطلبة الجزائريين للعلوم السياسية و الاعلام والحقوق و العلوم الإنسانية montada 30dz

دخول

لقد نسيت كلمة السر

المواضيع الأخيرة

» الإحصاء وعلم الأوبئة في الصحة العامة 2017
الأربعاء يوليو 12, 2017 4:01 pm من طرف الاء العباسي

» دورات ادارة العقارات 2017
الأحد يوليو 09, 2017 5:13 pm من طرف الاء العباسي

» سؤال مسابقة الأساتذة للإلتحاق برتبة أستاذ التعليم الثانوي تخصص فلسفة دورو 2017
السبت يوليو 08, 2017 2:12 pm من طرف hibatallah

» الفلسفة العربية المعاصرة والتحديات الراهنة
الخميس يونيو 15, 2017 12:04 pm من طرف hibatallah

» منتدى الطلبة الجزائريين للعلوم السياسية و الإعلام و الحقوق و العلوم الإنسانية
الثلاثاء يونيو 13, 2017 3:38 pm من طرف المشرف العام

» برنامج متعدد السنوات لمختلف الفئات الصغرى في كرة القدم من 7 الى 21 سنة
الجمعة يونيو 09, 2017 7:55 pm من طرف malik25

» تعريف الإشهار،قانون الإشهار
الأحد أبريل 16, 2017 7:16 pm من طرف مايسة Itfc

» الدراسات الإعلامية القيمية المعاصرة ونظرية الحتمية القيمية
الأربعاء أبريل 12, 2017 12:28 am من طرف مايسة Itfc

» مقياس :اقتصاديات الصحافة و الاعلام
الجمعة فبراير 24, 2017 11:16 pm من طرف المشرف العام

» اللغة الاعلامية :دروس
الثلاثاء فبراير 14, 2017 9:45 pm من طرف مايسة Itfc


    الإدراك

    شاطر
    avatar
    فؤاد الفاطمي

    البلد : الجزائر
    عدد المساهمات : 11
    نقاط : 33
    تاريخ التسجيل : 23/08/2010
    العمر : 35

    الإدراك

    مُساهمة من طرف فؤاد الفاطمي في الثلاثاء أغسطس 24, 2010 4:32 pm

    قال تعالى :
    (إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون)
    (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون)
    (وما يعقلها إلا العالمون) .



    فالإدراك والفكر والعقل بمعنى واحد، وهي الخاصية التي أودعها الله في الإنسان، وهي ناتجة عن خاصية الربط الموجودة في دماغ الإنسان، وهي الحكم على الواقع، وهي نقل الإحساس بالواقع إلى الدماغ مع وجود معلومات سابقة تفسر هذا الواقع.
    والإنسان بخاصية الإدراك (العقل) يتميز عن الحيوان، قال تعالى: (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلاً)، فالآية تدل على أن الأنعام لا تعقل.

    وللعقل مكونات أربع هي: الدماغ الصالح، والواقع المحسوس، والإحساس، والمعلومات السابقة.

    والدماغ هو المادة الموجودة داخل جمجمة الرأس، ويحيط بهذه المادة ثلاثة أغشية، تنفذ من خلالها أعصاب عديدة تتصل بالحواس وبجميع أنحاء الجسم، وإن هذه الألياف العصبية تبلغ حداً من الانتشار والطول لا يكاد يصدق، فلقد وجد أن هذه العروق الدموية الموزعة في جميع أنحاء الجسم يبلغ طولها ما يقرب من مئة ألف ميل، ويهيمن الدماغ على الجسم بوساطة ستة وسبعين عصباً رئيسياً.

    يبلغ وزن الدماغ للإنسان البالغ ألفاً ومائتي غرام، ويستهلك الدماغ (25%) خمسة وعشرين في المائة من الأكسجين القادم من طريق الرئتين، وقد أثبت العلماء بوساطة التخطيط الكهربائي للدماغ، أن الدماغ هو عضو التفكير في الإنسان، فنتيجة لوصل بعض خلايا الدماغ بجهاز التخطيط، وجد أن الموجات التي تظهر مرسومة على الورق، تتسطح فجأة فيما إذا ركز الإنسان تفكيره، أو إذا أثير بانفعال، أو إذا سمع ضجة كبيرة، أو إذا قام بحساب معقد، ولم يعثر العلماء على منطقة بعينها في الدماغ مسئولة عن حفظ المعلومات. وقد وجد أن استئصال نصف الدماغ تماماً عند بعض المرضى لم يفقدهم ذاكرتهم. ولقد قدر بعض العلماء أن مخزون الذاكرة من المعلومات التي يمكن أن تستوعبها، يعادل ما يتسعه تسعون مليون مجلد مليء بالمعلومات، وهذا الخلق البديع لدماغ الإنسان من الأدلة التي لا تخطيء على قدرة الله سبحانه وتعالى، (وفي الأرض آيات للموقنين، وفي أنفسكم أفلا تبصرون) .

    أما الواقع الذي تقع عليه الحواس، فقد يكون واقعاً مادياً، كالقمر والكتاب والحصان، وقد يكون أثراً للواقع المادي، كصوت الريح، وصوت الطائرة، ورائحة الوردة، وقد يكون معنوياً يعرف من أثره كالشجاعة والمروءة والخوف والحنان.

    والأشياء المدرك وجودها قد تكون محسوسة ملموسة كالجبل والشجر والحمار وقد تكون محسوسة غير ملموسة، كالفرح والألم وقد تكون غير محسوسة وغير ملموسة، فيدرك وجودها من وجود مظاهرها كغريزة النوع وغريزة البقاء، وغريزة التدين، وكوجود الحياة في الإنسان.

    وأما الإحساس بالواقع، فهو ينتقل إلى الدماغ بطريق الحواس الخمس أو بعضها، وهي حاسة البصر وعضوها العين، وحاسة السمع وعضوها الأذن، وحاسة اللمس وعضوها الجلد، وحاسة الذوق وعضوها اللسان، وحاسة الشم وعضوها الأنف.

    وكيفية الإحساس بطريق العين تتم كالتالي : تصل الأشعة الضوئية المنعكسة عن المواد الموجودة في مجال العين إلى شبكية العين، فتوصلها الشبكية إلى عصب البصر على شكل تيارات كهربائية إلى مركز الإبصار في مؤخرة الدماغ، حينئذ يرى الإنسان الصورة التي أمامه، ولكنه لا يستطيع إدراكها، أي لا يستطيع الحكم عليها إلا بالرجوع إلى المعلومات السابقة المخزونة، عن هذا الشيء المرئي في الدماغ.

    والبصر محدود، له مدى لا يتعداه، إذ لا يستطيع الإنسان أن يرى بعينه المجردة كثيراً من الأجسام كالجراثيم الدقيقة والذرة، وبعض النجوم البعيدة، فما لا نبصره أكثر مما نبصره قال تعالى : (فلا أقسم بما تبصرون وما لا تبصرون، إنه لقول رسول كريم) .

    وحاسة السمع من أهم الحواس، فعن طريقها يأخذ الإنسان أغلب علمه، وقد ذكرها الله في كثير من الآيات قبل الإبصار، قال تعالى : (أمّن يملك السمع والأبصار) ، و قال تعالى : (وجعل لكم السمع والأبصار) ، وقال : (إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) ، وعضو السمع الأذن التي تستقبل الموجات الصوتية فيوصلها عصب السمع إلى الدماغ، وأذن الإنسان تنقل كل الأصوات التي تصل سرعتها ما بين (16 – 20) ألف ذبذبة في الثانية، وأما الأصوات التي ذبذبتها أسرع من ذلك فلا تستطيع الأذن البشرية نقلها إلى الدماغ.

    أما أذن القط فتنقل أصواتاً تبلغ ذبذبتها (50) ألف ذبذبة في الثانية، وأذن الخفاش تنقل أصوانا تصل ذبذبتها إلى (120) ألف ذبذبة في الثانية التي عوضته عن الإبصار (وفي الأرض آيات للموقنين).
    فالإنسان لا يسمع إلا جزءاً من الأصوات التي حوله.

    وحاسة اللمس تكون بأعصاب الإحساس المتعددة المنتشرة في الجسم كله ولا سيما في الجلد، ولكل عصب وظيفته الخاصة به، فالإحساس بالبرودة والسخونة، وأعصاب الحس بالألم، موجودة في الجلد، فإذا وخز جسم الإنسان بإبرة طويلة، شعر في أول الأمر بألم الوخز عندما تمر الإبرة بالجلد، أما إذا توغلت في عضلاته فلا يشعر بأي ألم أثناء دخول الإبرة فيما بعد الجلد، قال تعالى : (إن الذين كفروا بآياتنا سوف نصليهم ناراً، كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب، إن الله كان عزيزاً حكيماً)، كلما نضجت جلودهم بدلهم الله جلوداً غيرها لتظل أعصاب الحس في الجلد تنقل إليهم الإحساس بألم الحرق.

    وأما الأنف والفم فينقلان الإحساس بالرائحة وبالطعم عن طريق التفاعلات الكيماوية بوساطة أعصاب الشم وأعصاب الذوق إلى الدماغ.

    وأما العنصر الرابع من عناصر العقل، وهو المعلومات السابقة، فهي ما يحتفظ به الدماغ من أفكار سابقة عن الواقع المحسوس ويختزن الدماغ هذه المعلومات لحين الحاجة إليها في عملية التفكير، وهذه المعلومات نوعان :

    النوع الأول وهو الأفكار السابقة عن الوقائع المحسوسة وهذا النوع يلزم للحكم على الواقع المتعلق بهذه المعلومات.

    والنوع الثاني من المعلومات السابقة هو تلك المعلومات الناتجة عن استرجاع الدماغ لإحساساته السابقة التي لها علاقة بالواقع المحسوس، لأن تكرر الإحساسات عن الواقع الذي له علاقة بإشباع الغرائز والحاجات العضوية مباشرة غالباً ما يكوّن معلومات عن هذا الواقع باعتبار أنه يشبع أو لا يشبع، ولا تصلح هذه المعلومات للحكم على الواقع.
    والمعلومات السابقة عن الواقع جزء مهم من عملية التفكير، لا يمكن أن يتم بدونها إدراك هذا الواقع، فمن أين جاءت أول معلومات سابقة عن أول واقع أدركه الإنسان؟
    وما دام الإنسان هو الإنسان فكيف أدرك أول إنسان على الأرض الأشياء التي وقعت عليها حواسه؟

    وبقياس الإنسان الأول على الإنسان الذي نعرفه الآن، ندرك بأنه لا بد للإنسان الأول من معلومات سابقة عن الأشياء حتى يدركها أي حتى يستطيع الحكم عليها، والإنسان لا يمكن أن يوجد هذه المعلومات من تكرار إحساساته للأشياء، لأن الإحساس مهما تكرر لا يوجد معلومات تصلح للحكم على الشيء المحسوس، فلو أحضرنا واقعاً محسوساً كاللغة الصينية - مثلاً – وطلبنا من شخص لا يعرف الصينية أن يحس هذا الواقع مراراً، فإنه لن يدركها مهما تكرر هذا الإحساس.

    إذن لا بد أن تأتي المعلومات السابقة من خارج الإنسان الأول، ومن خارج الواقع، لأن الإحساس بالواقع مهما تكرر يظل إحساساً ما لم توجد معلومات سابقة تحوله إلى فكر.
    وما دام الإنسان لا يستطيع أن يكون معلومات سابقة عن الأشياء، وهو أرقى المخلوقات على الأرض فلا بد أن تأتي المعلومات السابقة لأول فكر، من الله سبحانه وتعالى.

    وقد نقل إلينا القرآن الكريم، وهو كلام الله القطعي الثبوت أن الله هو الذي أعطى الإنسان أول معلومات، قال تعالى : (وعلم آدم الأسماء كلها، ثم عرضهم على الملائكة، فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين، قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم، قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم، فلما أنبئهم بأسمائهم، قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون) فالملائكة لم يستطيعوا معرفة أسماء المسميات، لأنهم لم يدركوا المسميات نفسها قائلين: (لا علم لنا إلا ما علمتنا) أما آدم فقد أنبأهم لأن الله سبحانه علم آدم الأسماء كلها، أي أعطاه المعلومات اللازمة لإدراك هذه الأشياء، فلما طلب منه رب العالمين أن يخبرهم بحقيقة هذه الأشياء، استعمل تلك المعلومات التي تلقاها من قبل فكان هذا أول فكر من آدم وأول عقل للأشياء بناء على معلومات سابقة عن هذه الأشياء، تلقاها آدم من خارجه ومن خارج الأشياء المحسوسة المسؤول عنها، كانت من الله الذي يعلم غيب السماوات والأرض، ويعلم ما تبدي مخلوقاته وما تخفي، فكانت هذه المعلومات من النعم التي منحها الله للإنسان، (علم الإنسان ما لم يعلم) وكانت هذه المعلومات هي نواة التفكير لدى الإنسان، وظلت هذه المعلومات تزداد شيئاً فشيئاً عبر الأجيال والأعصار حتى أنتجت بلايين البلايين من المعلومات، نتيجة استعمالها من قبل الإنسان للحكم على الأشياء والأفعال، لأن الأفكار التي توصّل لها البشر أصبحت معلومات سابقة لمن جاء بعدهم، وهكذا ما دامت الحياة الإنسانية موجودة على الأرض.

    أما كيف يحصل الإدراك، أو العقل، وهو ما يسمى بعملية التفكير العقلي، فإن الإنسان عندما يرى أو يسمع أو يشم أو يذوق أو يلمس واقعاً ينتقل الإحساس بهذا الواقع إلى الدماغ ماراً بأعصاب الحس لتلك الحاسة التي جاء المحسوس بالواقع عن طريقها، فإن كانت في الدماغ معلومات سابقة عن هذا الواقع، ربط الدماغ هذه المعلومات بالواقع المحسوس لتفسيره ، ثم حكم عليه، فلو عرضنا عبارة مكتوبة باللغة الإنجليزية ، على شخص لديه معلومات سابقة عن تلك اللغة، يقع بصره عليها، وينتقل هذا الإحساس إلى الدماغ وعندها تتداعى المعلومات السابقة عن اللغة الإنجليزية لديه، لمعرفة هذا الواقع المفروض، فيحاول الشخص قراءتها وفهمها، ولكن إن عرض هذا الواقع وهي العبارة الإنجليزية عن شخص آخر ليس لديه أية معلومات سابقة عن هذه اللغة، وأحس هذه العبارة ببصره، لا يستطيع قراءتها ولا يستطيع فهمها وذلك لأنه لا يملك المعلومات اللازمة لتفسير هذا الواقع وللحكم عليه.

    وإن تكرر إحساسه بهذا الواقع ظل إحساساً فقط، ولا يحصل نتيجة هذا التكرار أي فكر.

    والتفكير قد يكون بحضور الواقع المحسوس وقد يكون بتصوره في الذهن وإن لم يكن موجوداً، فالإنسان قد يفكر في رجل رآه منذ سنين عندما يقرأ خبر نعيه في الجريدة، فيستحضر صورته في دماغه، والمعلومات السابقة عنه، ثم يقول للحضور : (كان هذا الرجل كريماً) مصدراً الحكم عليه في حالة غياب الإحساس به أو الإحساس بكرمه.

    وقد يعقل الإنسان الطائرة ويحكم عليها عسكرية أو مدنية من سماع صوتها.

    فالإحساس بالواقع قد يكون بوقوع الحس على ذلك الواقع نفسه بحاسة البصر أو غيرها، وقد يكون بوقوع الحس على متعلقات ذلك الواقع كالصوت أو الصورة، وقد يكون باسترجاع الإحساس بالواقع في الدماغ دون وجود ذلك الواقع أو أثره في مجال الحواس، وهذا ما يحدث غالباً في التفكير السياسي، فإن المحلل السياسي يستطيع بوساطة مجموعة من الأخبار أن يتصور الواقع، وأن يخرج برأي سياسي يحكم به على الواقع الذي لا يقع في مجال حواسه مباشرة.

    وما يشتبه على الكثيرين وهو أن المعلومات السابقة قد تحصل من تجارب الشخص نفسه ابتداء دون أن يكون لديه معلومات سابقة عن غيره، وقد أجروا تجارب على الحيوان، ثم قاسوا الإنسان الأول على الحيوان، فأخضعوا بعض الحيوانات كالكلب والقرد والفأر لهذه التجارب، ومنها أنهم كانوا يضربون جرساً كلما قدموا الطعام إلى الكلب، وكررت العملية مراراً ... ثم ضربوا الجرس دون أن يقدموا الطعام للكلب، فسال لعاب الكلب من تكرار التجربة، وأنه صار يحكم على الواقع باستعمال هذه المعلومات التي استفادها من التجارب السابقة، ولاحظوا في المرعى أن الحيوانات تتجنب الأعشاب السامة فلا تأكلها، فحكموا أن الحيوانات صارت تفهم وتدرك حقيقة الأشياء نتيجة تجاربها السابقة التي أوجدت عندها معلومات تفسر بها الواقع.

    والصحيح أن ما حصل من الحيوان هو شعور غريزي بما يشبع أو بما لا يشبع، وإدراكه الغريزي هذا ناتج عن الخاصيات التي أودعها الله فيه من أجل أن يحافظ على بقائه ونوعه، وما حصل هو استرجاع للإحساس السابق بأن هذا الشيء يشبع الغريزة أو الحاجة العضوية، فيقبل على الشيء أو يحجم عنه، ولا يستطيع الحكم على ماهيّة الشيء.
    فالكلب في التجربة السابقة سمع صوت الجرس، فاسترجع الإحساس بما يشبع جوعة معدته وهو الطعام، لأن صوت الجرس أصبح جزءاً لا يتجزأ من الطعام، الذي يشبع به جوعته، فصار الجرس لا يختلف عند الكلب عن رؤيته أو شمه للطعام، فهما في حسه السابق مرتبطان معاً بما يشبع.

    وهذا يتضح لو قرعنا الجرس على سمعٍ لكلبٍ آخر جائع، لم تجر عليه التجربة السابقة، فإنه لا يسيل لعابه بسماع صوت الجرس، ولكن يسيل عندما يرى أو يشم الطعام الذي يشبع جوعه، فالحيوانات لا تعقل، وإنما الذي عندها دماغ خال من خاصية الربط، وحواس تحس الواقع، وبهذا الدماغ وهذه الحواس تسترجع الإحساس بالأشياء التي تشبع والتي لا تشبع، فهي تحس، ولكنها لا تعقل كالإنسان، قال تعالى : (أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، إن هم كالأنعام، بل هم أضل سبيلاً) فالآية تدل على أن الأنعام لا تعقل.

    فأصحاب هذه التجارب قد أخطأوا لأنهم قاسوا الإنسان على الحيوان، مع أن خاصية الربط الموجودة في دماغ الإنسان غير موجودة في دماغ الحيوان، ولهذا السبب كان الحيوان – كما هو مدرك وكما ورد في الشرع – مخلوقاً لا يعقل، وأخطأوا أيضاً لأنهم قاسوا الشاهد على الغائب، فقاسوا الإنسان الحالي على الإنسان الأول. والقياس الصحيح هو قياس الإنسان على الإنسان، وقياس الغائب على الشاهد.

    وما دام بحثنا في الإنسان، والإنسان موجود ومدركة خصائصه، وهي أنه لا يستطيع عقل الأشياء والحكم عليها دون معلومات سابقة، فأي فائدة نجنيها من معرفة الكيفية التي كان يفكر فيها الإنسان الأول ؟؟ والأولى أن نقول أن الإنسان الأول كان يملك نفس الخصائص التي يملكها الإنسان الحالي، وبما أن الإنسان الحالي لا يستطيع عقل الأشياء والحكم عليها إلا بمعلومات سابقة، فالإنسان الأول أيضاً لم يكن بمقدوره عقل الأشياء والحكم عليها إلا بمعلومات سابقة، وهذا ما أخبرنا به القرآن الكريم، قال تعالى : (وعلم آدم الأسماء كلها) ، وقال : (علم الإنسان ما لم يعلم) .

    أما المعلومات التي تتكون لدى الإنسان من جراء تكرار إحساساته بها يشبع غرائزه وحاجاته العضوية، فإن تلك المعلومات لا تصلح للحكم على الأشياء، إلا أنها تشبع أو لا تشبع، فخاصية الربط الموجودة في دماغ الإنسان وغير الموجودة في دماغ الحيوان، تجعل الإنسان يسترجع الإحساس بالواقع بصورة أفضل وأسرع من الحيوان ... فإن قدم لإنسان فاكهة لم يرها من قبل، وأكل منها، أحس بطعمها ورائحتها، وشعر بأنها تشبع حاجته العضوية ... فإن رآها مرة ثانية استرجع دماغه المعلومات التي تكونت نتيجة إحساسه في المرة الأولى بما يتعلق بطعمها ونكهتها، وبأنها تشبع ولكن هذه المعلومات التي لها علاقة بالإشباع لا تفيد في الحكم على هذه إلا من ناحية أنها تشبع أو لا تشبع، ولكن المعلومات نفسها لا تفيد ولا تصلح للحكم على ماهية هذه المادة وللحكم على مكوناتها، فلا يستطيع الإنسان أن يحكم عليها بأنها ثمر لنبات أو أنها ناضجة أو فجة، أو أنها مكونة من سكر وأملاح وماء وفيتامينات، ومهما تكرر الإحساس بهذه الفاكهة، تظل هي المادة التي تشبع جوعته فقط، وإن أراد الحكم عليها من ناحية أخرى احتاج إلى معلومات سابقة من خارج دماغه ومن خارج الفاكهة. وبدون هذه المعلومات يظل إدراكه لهذه الفاكهة يشبه الشعور الغريزي عند الحيوان تجاه الأشياء التي تشبع جوعته.


    وهناك مسألة، وهي : أيهما أسبق في الوجود الفكر أم المادة؟

    وللجواب على هذا السؤال نقول :

    إن المادة أسبق من الفكر بالنسبة لآدم عليه السلام، فقد علمه الله أسماء الأشياء التي كانت موجودة قبل إعطائه المعلومات السابقة عنها، فالمادة كانت موجودة قبل أي فكر إنساني، وبدون المادة (أي الواقع) لا يحصل فكر، لأن الواقع عنصر أساسي من عناصر الفكر، ولأن الفكر حكم على واقع، فإن لم يوجد الواقع لا يمكن أن يوجد فكر، فالمادة بالنسبة للفكر الإنساني أسبق من الفكر.

    هذا بالنسبة للإنسان، أما بالنسبة لإيجاد المادة من عدم، فإن ما ورد بالدليل القطعي يدل على أن أمر الله سبق وجود المادة. قال تعالى : (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) ، فأمر الله (كن) سابق لوجود المادة من عدم، فالله عز وجل، هو الأول الصمد الذي لا يستند في وجوده إلى شيء، وتستند المخلوقات في وجودها إليه (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) (والذين يدعون من دون الله لا يَخلقون شيئاً وهم يُخلقون) .

    موضوع الإدراك من كتاب مَفَاهِيم إِسْلامِيَّة
    الجزء الأول
    محمد حسين عبد الله
    إقتباس فؤاد الفاطمي

      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين يوليو 24, 2017 5:42 pm