مرحبا بكم في هذا المنتدى الخاص بعلوم الإعلام و الإتصال و العلوم السياسية والحقوق و العلوم الإنسانية في الجامعات الجزائرية
. نرحب بمساهماتكم في منتدى الطلبة الجزائريين للعلوم السياسية و الاعلام والحقوق و العلوم الإنسانية montada 30dz

دخول

لقد نسيت كلمة السر

المواضيع الأخيرة

» ندوة إعداد و كتابة التقارير المالية
الأربعاء أغسطس 16, 2017 5:54 pm من طرف نورهان ميتك

» ندوة أساليب تطوير إدارة خدمات الاسكان
الإثنين أغسطس 21, 2017 2:15 pm من طرف دينا عادل

» الفوارق بين المنهجين التجريبي وشبه التجريبي
الثلاثاء أغسطس 15, 2017 8:07 pm من طرف محمد عصام خليل

» دورات في الصحافة والاعلام 2017
الأربعاء أغسطس 02, 2017 12:07 pm من طرف الاء العباسي

» دورة دورة أساسيات أمن المعلومات
الخميس أبريل 20, 2017 1:02 pm من طرف نورهان ميتك

» سؤال مسابقة الأساتذة للإلتحاق برتبة أستاذ التعليم الثانوي تخصص فلسفة دورو 2017
السبت يوليو 08, 2017 2:12 pm من طرف hibatallah

» دورة إدارة الموارد البشرية بالكفاءات (Competency Based HR)
الخميس أبريل 20, 2017 11:47 am من طرف نورهان ميتك

» دورة التميز والإبداع والإشراف في إدارة الخدمات العامة
الأربعاء أبريل 19, 2017 1:52 pm من طرف مركز جلف للتدريب

» دورة الكفاءة في التعامل مع القضايا المشاكل ,الأزمات وبناء الثقة في العمل
الأربعاء أبريل 19, 2017 1:50 pm من طرف مركز جلف للتدريب

» الفلسفة العربية المعاصرة والتحديات الراهنة
الخميس يونيو 15, 2017 12:04 pm من طرف hibatallah


    ماهية العلاقة بين (الوجود ـ والزمان) عند مارتن هيدغر

    شاطر

    hibatallah

    البلد : alger
    عدد المساهمات : 41
    نقاط : 74
    تاريخ التسجيل : 17/10/2012
    العمر : 37

    ماهية العلاقة بين (الوجود ـ والزمان) عند مارتن هيدغر

    مُساهمة من طرف hibatallah في الإثنين مارس 28, 2016 2:23 pm

    السلام عليكم
    بأيدينا
       على الرغم من كون التساؤل حول الوجود ومعناه وحقيقته ،قد ظل الإشكالية الأم التي تشكلت حولها فلسفة هيدغر ،فإننا لا نكاد نعثر في نصوص تلك الفلسفة على تعريفات مختلفة لمفهوم الوجود، يكون في متناول الدراسة البحثية .التي تشير إلى الإشكالية الأساسية لفكر هيدغر، التي أصبح من مهامها تخليص التساؤل حول الوجود من النسيان الذي يلاقيه في الميتافيزيقا الغربية، الذي شغل المعول الهيدغري في التفكيك والتقويض لهذا الصرح الأنطولوجي،ومن خلال كتاب هيدغر "الوجود والزمان"1927 م ،فإنه يطرح على عاتق التفكير، هو تأمل الكون ككون ؛أي الوجود بكليته.
       وفي هذا الصدد يقول هيدغر:" ...أو عن كون الكائن ،وفي معالجتها لهذا السؤال تنطلق الميتافيزيقا ضمنيا  من قرار مسبق ،يؤول الكون إنطلاقًا من بعد واحد للزمان هو الحاضر، فنعتبر أن الكون يعني الحضور الدائم  و هكذا فكون الشيء ما هو ما يبقى حاضرا بإستمرار رغم كل التغيرات التي تطرأ عليه .  محور هذه الإبستيمية للميتافيزيقا في نظرتها للكون ذو البعد الواحد ،ومحور السؤال من الإنغلاق في الكائن إلى إنفتاح الكون ،  أي إلى حقيقته. البحث الأنطولوجي التقليدي لم يعطي لمسألة الكينونة أوليتها الأنطولوجية، ويعلق هيدغر: "إن كل أنطولوجيا ، و إن توفرت على نسق من المقولات مهما كان ثريا .وثابت الترابط،إنما تبقى  في أساسها عمياء وتبقى إنحراف عن مقصدها الأخص إذ هي لم توضح قبلًا معنى الكينونة كفاية ولم تتصور هذا الإيضاح بوصفه مهمته الأساسية".                                            
    كما رأينا سابقا أن هيدغر ينطلق من كينونة الكائن كإنفتاح على الوجود.فنجد قراءة هيدغر لبداية ميتافيزيقا الإنسان ونهاية الميتافيزيقا الكلاسيكية التي تهتم بالوجود (عالم الأشياء). مما يحيلنا إلى السؤال عن العلاقة التي تربط بين الوجود والزمان من خلال الإشكال الذي طرحه هيدغر ؟.
    1ـ قراءة هيدغر في إكتمال حقيقة ماهية الكائن :
        لقد إنطلق فكر هيدغر إلى شق دربا آخر للتفكير والتساؤل ،راميا بجاهزية الفكر ومحدوديته "...إن السؤال بحث نظري ،فمن الضروري أن نشكك ليتحدد المفهوم إلى المعنى الحقيقي ...ويسأل عن كيف يذهب الإستجواب إلى  الهدف ..والسؤال الذي يطرح حول معنى الوجود يجب أن يطلب،لنجد أنفسنا أمام الحاجة لتوضيح المسألة ،في أن تجرى مقارنة هيكلية للبحث بالتالي يجب أن يكون معنى الوجود بالضرورة متاحا بالفعل". في تحدي آخر للسؤال للوصول إلى تجديد تأويل الوجود بدلالة الزمان،و تأويل الزمان بدلالة الوجود،لتتبلور كلمة المنعطف أحد أهم الركائز الأساسية في تطوير تحليل إكتمال الدزاين في الفكر الهيدغري الذي أدرجنا جزء مفاهيمي منه في ماهية الكينونة.                                                                                    
         فهيدغر يبحث عن ماهية الحقيقة كنسق كلي للوجود بما فيه الإنسان ليورد موضحا:"ماهية الحقيقة هي حقيقة الماهية ،ولا ينبغي النظر إلى هذه الجملة على أنها مجرد تلاعب بالألفاظ كما أنه لا ينبغي فهمها بمعنى الفلسفة التقليدية للماهية التي ترى الحقيقة هي الأصل حقيقة الماهية بمعنى المثال الأفلاطوني".  فهيدغر يهدم نظرة أفلاطون لماهية الحقيقة التي هي الصور الخالدة وتماثل للأشياء المحسوسة- راجع نظرية المثل لأفلاطون-
         وحقيقة الدزاين عند هيدغر ،بقدر ما هو موجود فهو متناه(الموت)كرغبة عميقة في تجاوز إشكالية الذات الذاتية ،وجميع التصورات الميتافيزيقية عن الوجود وعن الإنسان،التي يلح هيدغر على إقتلاعها من الجذور
    وتقويضها من الأساس .الذي يعقب عن ذلك قائلا:"إن الفلسفة قد تغاضت عن التفكير في مسألة الموت التي تفض مضجعها وتناست محدودية الإنسان في الزمان ، وأصبحت لا تهتم بالإنسان وبطموحاته وإنجازاته.."  
      لنطرح سؤالا أساسيا . كيف يمكن فهم الكينونة قد أصبح ممكنا بواسطة الزمان المتخارج من الدزاين؟.  إنطلاقا من قول هيدغر:" الإنسان راعي الوجود"  ؟ .
    يقول هيدغر:"إننا لا نسأل الكينونة وحدها ولا الزمان لوحده، فنحن لا نستعلم أبدا عن الكينونة ولا عن الزمان، ولكننا على العكس نستعلم عن علاقتهما المتداخلة و الحميمة و ما ينبغي عنها".                                                                                                      
       إذن فهي إشكالية علاقات، فقبل أن نبدأ في تحديد العلاقة التي تربط بين الكيونة والزمان. فإننا سنتعرج أولا إلى إرهاصات هذا التحدي الهيدغري،ثم نلج إلى معاني الزمان والوجود في السياق الهيدغري ،لنخلص إلى العلاقة الملازمة بين الوجود والزمان.                                          
    فهيدغر الشاب خريج المدرسة اللاهوتية ليتحول إلى الفلسفة، فقد كرّس في البدء مجهوداته للمشاكل المنطقية وفي هذه الفترة سيطرت أفكار أستاذه هوسرل الفينومولوجية – الأشياء في ذاتها- ،أين أدرك هيدغر البعد التاريخي وعلاقته بالزمان.
    ففد إختار هيدغر أن يكرس درس للتأهيل في 27تموز1915م"تصور الزمان في العلم التاريخي".هذا النص الأول الذي كرس بأكمله،هو بحث إبستمولوجي يستهدف إقامة نوعية  تصور الزمان للعلم التاريخي.  فمن التصورات التي وضعها هيدغر في إشكالية السؤال عن الوجود ،هو تقويض الطريق البرهاني التقليدي،بل سلك طريق فينومولوجي كنوع من الإيضاح.            
    قبل أن نتعرض للسياقات التقليدية لمفهوم الزمان ،سنحاول إعطاء صورة عن المهنج الفينومولوجي كأساس منهجي في وجودية هيدغر بإيجاز.
     لقدر رأينا أن هيدغر أحد تلامذة إيدموند هوسرل أحد مؤسسي المنهج الظاهراتي ،وهو نظرية في المعرفة ،وهدفه الأساسي وصف العالم كما يظهر لنا، ولوعينا. كيف ذلك؟.
    2ـ عمق المنهج الظاهراتي في قراءة هيدغر للحقيقة :
      إنطلاقا من أن المنهج الفينومينولوجي ،أنه الرؤية الذهنية للأشياء؛ بمعنى للنظر.وفلسفة هيدغر تنطلق من الوجود الإنساني كموضوع للتأمل المنهجي. فشعار هوسرل هو:"العودة إلى الأشياء  ذاتها، بالنظرة الأولى وبضربة واحدة . فمثال أن أنظر إلى شجرة ،فهذه الرؤية الناصعة أمامي".  لنستشهد بقول آخر لهوسرل معلقا:" وفي نظرة متتالية أعاين الأوجه المختلفة لهذا الشيء ،و أتبين معالمه .فأنا لا أرى أولا جسما ،ثم وجها، ثم إمرأة و بالتالي زوجتي بل أراها هي أولا، ومن ثم أستطيع أن أتبين المقومات المختلفة لإنهاء ظهورها أمامي ".  
    فبهذا  الأساس البنيوي يمكن للرؤية أن تنتظم وللمعاينة أن تتمنهج ، التي وجدت طريقا للفكر الوجودي أو بالأحرى إلى العلوم الإنسانية. دون الرجوع للمعارف الأخرى السابقة .حيث يقول هوسرل في هذا الموقف :" ... أعني أننا إذا كنا بالنزعة الجذرية المتعلقة بماهية العلم الفلسفي الحقيقي، لن نقبل شيئا تقليديا يمر على أنه بداية ،و لا ننبهر نحن أنفسنا بأية أسماء مهما تكن عظيمة، فإننا بالأحرى نحاول الوصول إلى البدايات مستسلمين إراديا للمشكلات ذاتها والمقتضيات التي تنشأ عنها."
    إذن فهوسرل ينطلق من النظرة العلمية للفلسفة ،أي كيف تكون الفلسفة علما صارما دون معطيات قبلية للمعرفة ، فهذه الصرامة في وصف الظاهرة ذاتها بوعي ،و قصدية  ،هي العودة للبدايات  للفلسفة الأولى و ماهيات الأشياء،وتشخيصها بالمنهج الظاهراتي الذي إتخذه هيدغر طريقا للمساءلة .
      وفي تعليق لسارتر معلقا على هوسرل :" كل شيء موجود في الخارج ،كل شيء ،حتى نحن أنفسنا ،  في الخارج،في العالم،بين الآخرين ،إنما لانكشف أنفسنا في عماوالة ما،بل في الطريق،في المدينة ،وسط الجماهير ،شيئا بين الأشياء،أناسا بين البشر".   فظاهرية هوسرل هدفها الأساسي هو، وصف العالم بما فيه الإنسان،  بعين على ما يرى وأخرى على ما هو مخفي في وقفة واحدة .
    و هذا منطلق هيدغر المنهجي في تحليله للأنطولوجيا الكلاسيكية الغربية .
    إذن فالمنهج الظاهراتي يسير إلى إدراك مباشر لماهيات الأشياء عينها في الظاهر والواقع. " إن المنهجية الفينومينولوجية هي مسيرة العقل إلى الأشياء ذاتها، هذه المسيرة البلوغ فيها عيان ،والعيان في نهايتها إدراك مباشر لماهيات الأشياء عينها.رؤية ذهنية ،و إستبصار لحقيقة الشيء...".  فلا يوجد هناك شيء مجهول  من وراء الظاهرة المراد بحثها.

    والفكرة العامة التي يقوم عليها منهج الظاهريات هو إذن "الرجوع إلى الأشياء نفسها أي الرجوع إلى الوقائع المحضة دون التأثر بالأحكام السابقة المتعلقة بها".
      ظاهرية هوسرل فتحت الطريق لوجودية هيدغر وصرامته ،في فهم ووصف الوجود الإنساني وإخراجه من العتمة عن وعي و قصدية لعالم الأشياء ،و هيدغر يتجاوز الأفكار السابقة ويفكك تاريخ الأنطولوجيا الكلاسيكية ويقتلعها من جذورها،إنطلاقا من الوجود الإنساني منفتحا ،و مستغرقا الوجود بكليته ، في الإرتباط  الأصيل بين الكائن  والوجود.
    3ـ الزمان الميتافيزيقي للدزاين:
      ينطلق هيدغر في تفكيكه للزمن بالعودة إلى الفلسفة اليونانية و السكولائية ويرى:" إن الفلسفة اليونانية القديمة ،عند أفلاطون و أرسطو تزودنا بعناصر ثمينة للحل .أما في العصور التالية فإن الأنظار الأسكلائية عن الوجود لا تكفي بأنها لم تضف جديدا فحسب ،بل لقد وجهت البحث في سبل خاطئة ،بحيث غمر النسيان مشكلة في أيامنا هذه".  
    وقد واصل هيدغر تعقّب جذور نسيان الزمن الوجودي ،عن نظرة أرسطو لموضوعية الزمان للعالم الفيزيقي. " فمنذ أرسطو فإن الزمان قد عرف كزمان للطبيعة،كزمان للعالم الموضوعي . وبقدر ما تمسكنا طويلا بهذا المفهوم للزمان ،أي بقدر ما لم يفهم الزمان طويلا فهما حقيقيا على أن الدزاين ذاته،فقد ظل مستحيلا إدراك الرابطة الحميمة لكل فعل شعوري من الزمان".  
    هذا عن السياق الفلسفي لمفهوم الزمانية ،الذي إختماوال كزمان للطبيعة المادية فحسب. بدءا من الدزاين الذي لم يفهم أفق الزمان الذي ينفتح مع وجوده الداخلي.                                                                                                                        
     أما في المجال العلمي، ففي الجزء الأول من درس"تصور الزمان في العلم التاريخي" فصل خصصه هيدغر  عن دراسة الرياضيات والفيزياء ،فقد ثابر هيدغر على البرهنة بأنه إبتداء من جاليليو حتى أنشتاين ضمنا ،  فإن تصور الزمان في الفيزياء لم يتغير:فكانت وظيفته جعل القياس ممكنا حيث يكون لحظة ضرورية في تعريف الحركة التي هي الموضوع ذاته لعلم الفيزياء.
    لكن لكي يسمح الزمان بالقياس يجب أن يصبح قابلا للقياس ،  لكنه لا يمكن أن يكون كذلك؛ إلا إذا أنكر أن يكون سيولة منتظمة ؛أي يكون له ماهية في المكان. فالتقويض الصارم لهيدغر يرجعه للفترة الحديثة ،من خلال ترويض العلوم ،أين يقول :" أول تقييم هو تقرب للحداثة،في ماهيات العلوم الحديثة ،ومشروع ترويض الطبيعة...الظاهرة الأساسية للزمن الحداثي هي للعلوم".    
      من هذا النقد الهيدغري للفترة الحديثة كما رأينا في إختزالها للزمان الوجودي على مرسى العلوم الطبيعية التي تأسست في ضوء المنطق الأرسطي منظورا خارجيا للأشياء،دون الزمن الوجودي الباطني للكائن، ليرد هيدغر ويقول :" إن الموجود الإنساني له علاقة خاصة جدا بالزمان الذي يمكن إبتداء منه فك شيفرة ما هو عليه الزمان فهو ليس إذن في الزمان كما هي الأشياء في الطبيعة،إنه في أساسه زماني ،إنه الزمان نفسه".  
      هيدغر من إعتباراته الأنطولوجية حول الزمان الحقيقي الذي ليس هو زمان الفيزياء (ثابت ومنتظم)،أو زمان العالم الطبيعي الأرسطي،بل هو زمان متغير ومتحول وغير متجانس للكائن،أي زمن الوجود الإنساني ،لا زمان الأشياء في الطبيعة.أما عن النظرة اللاهوتية للزمن، فقد فصل هيدغر بين الأماوال والزمان  ـ كيف ذلك؟.
    يحدد هيدغر في سلسلة محاضراته أمام جمعية رجال اللاهوت البروتستانت،ومنها هذه التي ألقيت في آذار عام 1927م،في تبتجن بعلاقة الفلسفة واللاهوت ،فالفلسفة هي علم بالموجود وهو ليس معطى أوليا للبحث العلمي فحصه، واللاهوت ليس علما أنطولوجيا لكنه أنطوقي ؛أي أنه علم بكائن معطى أوليا للبحث.فهو قريب جدا من العلوم الوضعية التي هي الرياضيات أو الكيمياء أكثر من قربه من الفلسفة.
    فيستنتج هيدغر بعد تفسيرات كثيرة عن فكرة "فلسفة مسيحية"، من تباين في التصور. فالبعد الإيماني إذن فقط وما إنكشف من خلاله،هو الذي يسمح بالدخول إلى الأزلية الحقة التي تتطابق مع الله،و بالنسبة للفيلسوف فالأماوال ليس سوى التصور الفارغ لموجود دائم والذي هو أبعد من أن يكون أصل الزمان فهو في الواقع مشتق من تجربتنا العادية الزمانية.    
    وهيدغر لا يسأل عن أصل الزمان خارج عن أنفسنا ،ليتحول السؤال عن ماهية الزمان.وهذا تقويضا للتضاد والإختلاف بين الأماوال المتماسك ، والزمان المتنوع والغير متجانس، الذي أعقبه في بحثه عن علم التاريخ الذي يعتمد على الكم. وهذه من بين التداعيات التي كان لابد الإشارة إليها في البحث، ليتسنى لنا التعرض إلى معنى الزمان والوجود من المنظور الهيدغري. وهو المنطلق الذي سيتأسس عليها مشروع الأنطولوجيا الأساسية الجديد عند هيدغر.
      يقول هيدغر:"طالما بقيت حقيقة الوجود منسية ،فإن الأنطولوجيا تبقى بدون أساس؛ولذلك فإن الذي يحاول في الوجود والزمان التفكير في إتجاه حقيقة الوجود،قد أطلق على نفسه أنطولوجيا أساسية".  وهذا النداء أطلقه هيدغر على المغالطات التي تعبر عن حفيفة الوجود للفلسفة الغربية والتفكير الإنساني بكليته ،المنغمس  في موضوعات الأشياء الجزئية، متناسيا حقيقة وجوده .كفاتح طريق  النور للكشف عن هذا الوجود. لتنهار هذه الأنطولوجيا الأساسية ،التي بدون أساس أنطولوجيا الموجود (الكائن).                                                                                    
      إن المنطلق الذي سيقوم عليه هيدغر في تفكيك جذور الأنطولوجيا التقليدية ، ونقطة البداية في تعريف مفهوم "أنطولوجيا أساسية" تقوم على قاعدة "الوجود والزمان"،بتصور الإنسان كإنفتاح على الوجود، والزمان كمجال لإنارته وكوسيط الذي عن طريقه تنار الأشياء فمشروعه يخص الدزاين بمكانة متميزة عند هيدغر،فهو راعي الوجود عنده . فكيف ذلك؟.
    - التعريف بالوجود : ليس الوجود حد ،وليس له رسم :أما الحد فيتكون من جنس ومن فصل،والوجود أبسط المعاني ،ومن ثم أعمقها فلا جنس فوقه يعرف به ،و لا فصل نوعي يعرض له ويميزه، من حيث أن كل ما يعرض للوجود فهو وجود.
    - لفظ الوجود يقال بمعنيين ،أحدهما كمصدر ،كل ما هو ظاهر والآخر كإسم ؛أي "الموجود" .  
    - الوجود حاصلا أو ممكنا ،سواء كان الموجود ذاتا أو فعل ومعنيا الوجود والموجود مرتبطين أوثق الارتباط.
    - الوجود هو ما هو ،ولا يحد إلا بنفسه،فهو الذي يجب أن يكون موضوع ما بعد الطبيعة.
    - أما في المعجم الفلسفي:نجد أن الوجود كلمة مشتقة من وجد ،يجد،وجودا بمعنى ظهر للعيان ؛أي أن هناك مقولة ظواهرية .
    - ينقسم الوجود إلى وجود خارجي ووجود ذهني ،فالأول عبارة عن كون الشيء في الأعيان وهو الوجود المادي ،أما الثاني فهو عبارة عن كون الشيء في الأذهان ،وهو الوجود العقلي أو المنطقي.
    الكينونة :مصطلح مركزي في الأنطولوجيا ،يشير وفق إحدى دلالاته إلى مجموع الوقع ،كل ما هو كائن،ويشير وفق دلالة إلى خاصية الوجود المراوغة ،التي تميز الأشياء الواقعية في الأشياء المتخيلة .
      يورد هيدغر قائلا:"...بين أن المسألة كلها تتكون هنا في أن نعرف عن هذا الموجود.من بين جميع الموجودات الذي يجب أن يسترعي إنتباهنا بإعتباره الموجود الذي يحقق ماهية الوجود في أعلى مراتبها .ولكن يبدو  أن هذا السؤال نفسه يدخلني في دوره،من حيث أنه يفترض إفتراضا سابق عن الوجود."   فماهية الوجود كي تحقق أعلي مراتبها ،إلا بتلازم الزمن ،وهو الإفتراض المخفي .فكيف ذلك في قراءة هيدغر؟
    فالسؤال الذي يطرحه هيدغر أصبح أكثر جذرية ،بالإنتقال من :ما هو الكائن؟إلى سؤال أساسي ما هو جوهر الزمان حتى تؤسس الكينونة داخله؟
    - المفهوم التقليدي للأزل والمأخوذ ذاته من الفهم الشعبي للزمان ،أنه "آن ثابتة"الذي يحدده كسلسلة لانهائية لأنات منتظمة بدقة. فقراءة هيدغر ،أنه ليس من الأزل نستطيع أن نفكر بالزمان، لكن على العكس فإن الأماوال ذاته لا يفهم إلا إنطلاقا من الزمان إبتداء من زمانية مفكرة بطريقة أكثر أصلانية.                                        
    - الزمانية : الوجود هو الإنتساب إلى أحد الأبعاد الزمنية الثلاث،ماضي وحاضر ومستقبل.
    - الزمان : ليس شيئا ،وإنما هو نفسه يتزمن على صورة المستقبل والماضي والحاضر التي هي أنات الزمانية الثلاث المتداخلة،لا بوصفها مرصوصة الواحدة بجوار الأخرى  وموضوعة كلها في مستوى واحد ومتكررة إلى غير حد كما يتخيلها التصور الشائع،ولكنها متلائمة في وحدة عميقة ،هي وحدة تركيبها الأنطولوجي.
        ويوضح هيدغر :" بعد إظهار أن الزمان هو أفق كل فهم للكينونة .يصبح المقصود بالمقابل هو إظهار أن الكائن يفهم إتداء من الزمان...الزمانية أن المقصود من هنا هو الإشارة إلى بداية الرابطة الإيجابية التي تقيمها كل أنماط الكينونة مع الزمان."  
    فالإفتراض السابق عن الوجود يكمن في الفرق بين الكائن والزمن ،"... يجب طرح مسألة معنى الكائن من حيث هو الفرق بين الكائن والوقت ، في إعطاء الأولوية للزمن من أجل التفكير في الكائن ،وليس في الأماوالية كما كان الحال في كل تاريخ الميتافيزيقا كان على هذه الأخيرة إلغاء الزمن بغية التأكد من الكائن بارزا على حقيقته . و لأنها كانت تبحث عن وجود مستقر، فلقد أعطت الأولية المطلقة لتثبيت الحاضر كمركز يؤمن بديمومة الحركة.لقد جعلت من الزمن كائن حاوي الطبيعة،زمن العلم قابل للقياس" .
        إذن فسؤال الكائن يكسب صلابته بدءا من سؤال الزمان،فهو المنفتح على الوجود ، والمتحرك على أنماط الكينونة ؛ أي أن تجلي كينونة الكائن آو الدزاين هي التي تحتاج إلى تفسير أصلي للزمان بوصفه أفقأ لفهم الكينونة وبمعنى أكثر فالزمان يحمل الدزاين إلى النور، بوصفه أفق كل فهم للكينونة وتفسيرها في مفهوم الهيدغري للعلاقة الحميمة الكامنة بين الكائن والزمان ."أنه حين تتزمن الآنية ،يوجد أيضا عالم فإذا لم توجد بة آنية لم يعد للعالم وجود...وتناهي الزمان ينشأ من الهم بوصفه وجودا للموت".                                                                                                                                                                                                
    فالدزاين متناه، يتجلى وينكشف بالتفكير في الموت الذي يأتي بوجود الهم ،الذي تناساه الفكر الغربي.فقد شبه هيدغر هذا التجلي والإنكشاف للكائن على الوجود بمثابة حضور للطبيعة في حركة فصولها الأربع في ظهور موجود ما.
    ويقول "..فعندما ينبت العشب الأخضر في الحقل عند بداية الربيع أي عندما تظهر الحقول الخضراء ،فإن قدرة الطبيعة وحيويتها تتجلى في هذا الظهور،غير أننا نتنزه في الحقول الخضراء  دون أن تظهر لنا الطبيعة نفسها بوصفها طبيعة".  كتعبير مجازي عن الربيع، أن الوجود يحجب وينكشف من خلال إنفتاح الدزاين على الموجودات. فالإشكال هو الإرتباط الوثيق بين الموجود والكون .
    ويورد هيدغر معلقا :" عندما نحن نتصور اليوم الإختلاف مرة و اللاإختلاف منذ فترة طويلة،نحن رجال الوجود و المتناهين في نفس الآن،فالرجل ليكن بمثابة الإله يرعى السماء والأرض ،مادام حاضرا يتطلب الإرتباط بالآخر ،في آخر كونيته."  .وهذه نظرة أنطولوجية لاهوتية من هيدغر في إعداده لطريق إمكانية وجود الكائن راعي هذا العالم ،والمقترن به من خلال حضوره. ليكن سؤالا عن دق هذا المنعرج الجديد عند هيدغر،وهو المنحى اللاهوتي للكائن .يبقى سؤالا معلقا لحين إكتمال الشواهد التي دلّ عليها هيدغر في قراءاته.
    فتفسير هذا الاإمتداد للموجود و إرتباطه بالآخرين ،لن يكون إلا بالرجوع إلى الزمانية، ليتحول السؤال إذن ، من هو الزمان ؟ بما أنه هو أفق فهم الكينونة ليتساءل هيدغر :"...أي آن نسأل أذا لم نكن نحن أنفسنا الزمان ، فإن الدزاين هو الزمان ... ".  
        وفي قول آخر لهيدغر:"يحتاج إإلى تفسير أصلي للزمان بوصفه أفقا لفهم الكينونة إنطلاقا من الزمانية بوصفها كينونة الدزاين الفاهم للكينونة."  فماهية الزمان هي المصباح الذي يحمل النور لتجلي الكينونة. وهذه البداية لحركية يسميها هيدغر"بالحدث" للدزاين و إكتشاف بنية الحدث تعني فهم "تاريخية"الإنسان"؛ فالدزاين هو إذن موجود تاريخي في المحل الأول .إن الحدث التاريخي هو حدث الكائن الذي في الوجود .  
       فهيدغر يقوض الإنسداد الأنطولوجي للفترة الحديثة،لأنطولوجيا الزمان الداخلي للدزاين،في إختزال موضوعات حضور الكائن ،وقيامه الفعلي والواقعي ،والوجود يعني الخروج إلى انكشاف الدزاين المتزمن في أفق الزمان. وعليه فإن هيدغر ميز بين ثلاث أوليات خاصة بمسألة الكائن والزمان:
    - أولية وجودية في البداية ،وهي أولية الدزاين الذي ما يزال في مواجهة ذاته مع إشكالية كينونته.
    - أولية أنطولوجية ثانيا ،ذلك أن كل معرفة (علمية)بالموجود لابد أن تستند إلى الفهم المسبق  للكائن ،بهذا الوجود .
    - أولية أخيرة تسمى أولية أنطولوجية ،حيث نجد أن الدزاين ،وبوصفه المصدر الأول لكل فهم متعلق بالوجود سيعمل على تلبية شرط إمكان كل أنطولوجيا أخرى.
         فهذا التصور التأسيسي الأول لأنطولوجيا الكائن ،كبنية أنطولوجيا أساسية جديدة ، متخارجة من عمق جذور ميتافيزيقا أصيلة لكينونة الكائن، لفهم تاريخية الإنسان في أبعاده المتشعبة عند هيدغر. كمسيرة التي ينطلق منها الدزاين نحو العدم- الموت - هذا الإشتغال الجوهري لهيدغر ،بدءا وعودا إلى السؤال   عن ماهية الموجود الأصيل الذي ينطلق من الأنية كأول تجلي لتعينه .  


    قائمة المصادر والمراجع
    1) Alain Boutot :Heidegger ,put Edition Delta ,Paris,3eme édition,1995.  
    2) Jean Beaufret : Dialogue avec Heidegger,Aproche de Heidegger, Munuit ,Paris,1974.
    مارتن هيدغر:مبدا العلة ،ترجمة،نظير جاهل،دار (مجد) ،القاهرة،(دط)،(دن)،
    مارتن هيدغر: كتابات أساسية ،ترجمة ،إسماعيل المصدق ، المجلس الأعلى للثقافة،القاهرة ،(ط2) 2003،(ج1،ج2).
    مارتن هيدغر:الكينونة والزمان،(ج1)  
    عبد الرزاق الدواي:موت الأنسان
    فرانسواز داستور:هيدغر والسؤال عن الزمان،ترجمة ،سامي أدهم،دار (مجد)، بيروت،(ط1)،1993
    أنطوان خوري:مدخل إلى الفلسفة الظاهراتية،دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت،(دط)،2008
    إيدموند هوسرل:الفلسفة علما صارما ، ترجمة،محمود رجب،المجلس الأعلى للثقافة،القاهرة (ط1)،2002
    عبد السلام بنعبد العالي :أسس الفكر الفلسفي المعاصر،مجاوزة الميتافيزيقا ،دار توبقال للنشر، المغرب،(ط1)،1991
    المنهج الظاهراتي: المصدر الأعلى لكل إثبات عقلي هو "الرؤية" ،أو الوعي المانح الأصلي ،ينبغي الإتجاه إلى "الأشياء ذاتها" ،هذه هي القاعدة الأولى والأساسية في المنهج الفينومينولوجي ولكلمة "شيء"هذا المعطى او ما نراه أمام وعينا .هذا المعطى يسمى "ظاهرة"فهي أمام الوعي ،ولا تدل كلمة شيء على أن هناك شيئا مجهولا خلف الظاهرة.
    .م بوخنسكي :الفلسفة المعاصرة في أوربا ،
    عبد الرحمان بدوي:الموسوعة الفلسفية ،المؤسسة العربية للدراسات والنشر،بيروت،(ط1) ، 1984،(ج2)،
    ريجيس بوليفيه: المذاهب الوجودية من كيركجورد إلى جان بول سارتر،ترجمة ،فؤاد زكريا ،دار الآداب ،بيروت،(ط1)،1988  
    فرانسواز داستور: هيدغر والسؤال عن الزمان
    يوسف كرم:العقل والوجود،دار المعارف بمصر ،القاهرة ،(دط)،1964  
    عبد المنعم الحفني :المعجم الفلسفي،الدار الشرقية،بيروت ،(دط)،1990  
    جميل صليبا:المعجم الفلسفي،(ج2)  
    تد هوندرتش : دليل إكسفورد للفلسفة ، ترجمة، نجيب الحصادي ،المكتب الوطني للبحث والتطوير، ليبيا،(دط) ،(دن)، (ج2)،  
    نقلا عن  ريجيس بوليفيه:المذاهب الوجودية
    جان غاراندان: المنعرج الهرمينوطيقي للفينومينولوجيا،
    الأنية: ،أو الوجود هناك ،الموجود المنفرد العيني،أي هي دائما آنيتي انأ في الإمكانية العينية الكاملة لوجودي ،وهذا معناه أن للوجود 
    الأولوية على الماهية
    Noeelle Braaqun ,Jacqueline Laffite : Dictionnaire de Philosophes, revenue et augmentée, Arland Colin,Paris، 2eme édition  .

    والله يوفق الجميع

    hibatallah

    البلد : alger
    عدد المساهمات : 41
    نقاط : 74
    تاريخ التسجيل : 17/10/2012
    العمر : 37

    رد: ماهية العلاقة بين (الوجود ـ والزمان) عند مارتن هيدغر

    مُساهمة من طرف hibatallah في الخميس يونيو 23, 2016 2:50 pm

    السلام عليكم

    مواصلة لنقدية هيدغر لأنطولوجيا الوجود والزمان

    كما قدّمنا آنفًأ إشكالية الزمان كمفهوم كلاسيكي ، ثم القراءة الجديدة لهيدغر
    كتأسيس جديد " لأنطولوجيا أساسية" بدءًا وعودًا للكائن.
    لنجد المنعرج الجديد عنده حول إشكالية الدزاين، تبعًا  وتتبّعًا للتقويض للسياق
    التاريخ الغربي لمفهوم ميتافيزيقا الوجود.

    مفهوم الكينونة عند مارتن هيدغر
       يواصل هيدغر في طرح إنشغالاته ضمن الخطابات التي أعدّها حول محنة السؤال، في تفكيك الأنطولوجيا الأساسية. فمن خلال كتابه "الكينونة والزمان" سنة 1927، أين يضع هيدغر التمييز على المستوى الأنطولوجي بين الوجود والكائن.
       فهذا الفرق الذي غاب عن الميتافيزيقا الغربية منذ أفلاطون، قد أغلق باب التفكير في الوجود وركّز إهتمامه على الموجود ؛ كما قدّمنا مسبقًا، فكرة الحدود المنطقية في المقولات إذن فما يميز هذين المستويين هو أن الموجود يمكن حصره للدراسة ؛ بمعنى أنّ يكون موضوعًا للدراسة بإختلاف مواضيعه، سواءْ أكان هذا الموضوع هو الإنسان، أو الطبيعة في حين أنّ الأمر يختلف عن الوجود فلا نستطيع حصره مما جعل الميتافيزيقا تنسى الوجود وتركنه في خانة"النسيان".
      فأفق التفكير والتفسير عبر مراحل تاريخ الميتافيزيقا الغربية ، يتموْضع في مظاهر الحياة للعصر، وينتشر في تفسير الموجود، الذي يفكِّر فيه كل إنسان،لأن تأويل الوجود هو الأفق الذي يفًكًّر فيه ،لكن يبقى الزمن الميتافيزيقي غير متجانس. بمعنى أن الأنساق تختلف في مراحل التفكير عبر التاريخ ، فزمن النسق الأفلاطوني غير زمن النسق الديكارتي وكذا الزمن الهيجلي.. فكلّ نسق يستنفذ حضوره الفكري والزمني .                                                      
    فما الهدف الذي يرمي إليه هيدغر من خلال كتابه "الوجود والزمان"؟ وما المقصد الهيدغري الذي تقوم عليه الكينونة أو الوجود ؟.


    1ـ محنة الإختلاف الأنطولوجي بين الوجود والكائن عند هيدغر  
      أولًا نحن نعرف أن صعوبة الترجمة لمعاني المصطلحات التي وضعها هيدغر باللغة الألمانية وصعوبة تطويعها للغات الأخرى، ومنها العربية ، لذا سنحاول حصر مفهوم الكينونة بحسب مقتضيات البحث ، حتى لا نقع في تيهان التدليل . وذلك بحسب المترجمين والكتب التي إعتمدنا عليها في البحث.
        فهيدغر يدخل مصطلحات خاصة به تميزه عن مصطلحات طمستها الفلسفة التقليدية . فقد نهل من التراث المسيحي، والأنطولوجيا اليونانية بوضعها في خطابه ، وهو يفترض أن تجربة الكينونة التي رصدها قد عرفت إنكسارا مع عبور الأنطولوجيا اليونانية إلى الأفق اللاتيني  المسيحي، ومن ثمّ رسمت منعطف التجربة الأوربية الغربية الحديثة ، وتفسيره في الكينونة بين اليوناني واللاتيني.
      وهيدغر بكتاب"الوجود والزمان" هو أن يعالج مسألة الوجود ، ولم يكن هذا السؤال قد سقط في النسيان بمعناه الكلي ؛ أي انه يرى أن لدينا فهمًا عامًا مشتركًا ولكنه غامض عن الوجود ،لأنّ مفهومه يبقى أغمض المفاهيم التي صادرها الفكر الغربي ؛ وبمعنى أكثر وضوحًا فإن رؤية هيدغر في البحث  لدراسة سؤال معنى الوجود ، هو أن نبحث عن موجود يكون ممكنًا لنا أن نصل إليه على النحو الذي هو عليه في ذاته ، ويسميه هيدغر بإسم
    " الدزاين" أو "الموجود هناك".
         وهو المنطلق الذي إنتهجه للإعلان عن سؤال الوجود ، أنه لا يوجد عالم بمعماوال عن الإنسان والطرق الممكنة لوجوده . وفي هذا الصدد أُجري حوار مع هيدغر بمناسبة بلوغه الثمانين من العمر بألمانيا سنة 1969، و نص السؤال هو:" إنّ إهتمامك الكبير بالوجود يصل إلى حد التضحية بالوضعية البشرية وبوجود الإنسان في مجتمع معين ، له مشاكله ومشاغله وطموحاته ، فما يشغل فلسفتك هو قبل كل شيء ، تقويض الذاتية فآنت تدعو الإنسان ،إلى أن يغير إنتباهه وإهتمامه كله إلى تجربة الوجود ... حيث يتعرّف على نفسه كماهية منفتحة على الوجود، وحيث يَعرض الوجود نفسه كإنكشاف وإختفاء ويبدو أنّ الغاية مما تكتبه، هي إثبات ضرورة هذا التحوّل في وجود الإنسان ، من تجربة الوجود هذه ." وهذه من بين الإشكاليات التي وقف عندها المترجمون عن لغة هيدغر في تفسيره لمعنى الوجود والكائن والزمن، التي تختلف من معنى لآخر بحسب قراءة المترجمين.
    كان هيدغر يعمل على مسألة معنى الكائنêtre  والوجود  étant، أي الفرق  الوجودي بينهما  تلك الحقيقة الموجودة تجريبيًا وبين إحياء المسألة القديمة حول الكائن وذلك بالتمييز بين ذلك المصدر المبهم لوجود كل كائن .

    2ـ المنعطف البارمينيدي في إشكالية الوجود في مُساءلة هيدغر للأنطولوجيا التقليدية
     
    تكرّرت كلمة البدايات الأولى لميتافيزيقا الوجود ما قبل سقراط عند هيدغر، أو إحياء المسألة القديمة حول الكائن والوجود."...فقد إنطلق فكر هيدغر مرة أخرى من إستعارة معروفة في تاريخ الفلسفة وهي "شجرة المعرفة"،إستعارة ترتقي من الأرض – الأساس – إلى الأعلى فهو بهذه الصورة ،أنّ الميتافيزيقا لا تتفكّر في أسسها  فأقترح من ثم مهمّة توضيح ماهية الميتافيزيقا ، بالعودة إلى أسسها التي بقيت خفية عن الميتافيزيقا ذاتها، فهيدغر يضع على بساط البحث ، و يضع الشكل الذي تكون فيه الميتافيزيقا "موجودة" موضع مساءلة".
    ليأخذنا البحث من جديد عن تقصي هذا الأساس للمفهوم القديم لميتافيزيقا الوجود الذي رفعه هيدغر من وضعه المنسي إلى وضع المساءلة
    والتفكيك                                      
     -  فما هي المسلّمة القديمة التي إستعادها هيدغر في خطابه الجديد ؟.
      يعود بنا هيدغر بعربة التاريخ إلى عمق الجذور للفلسفة اليونانية متجاوزًا أرسطو وأفلاطون ليركن آلة السؤال ، إلى فلسفة ما قبل سقراط ؛ أي إلى فلاسفة الطبيعة الأوائل ومنهم مؤسّس المدرسة الإيلية بارمينيدس الذي شكّلت فلسفته مرحلة جديدة من مراحل تطور الفكر اليوناني في أواخر القرن السادس وبداية القرن الخامس قبل الميلاد.
       لنستبق إلى سؤال آخر: ما هو المفهوم الجديد الذي قدّمه بارميندس للفكر اليوناني؟  وخاصة عن نظرته للوجود؟.أو أين يكمن المنعطف البارمينيدي كحقيقة وجود عند هيدغر؟
       لقد إنطلق بارمينيدس في تقويض نظرية المعرفة ،حول مبادئ الفلسفة الطبيعية الأيونية الأولى للوجود (طاليس وأنكسمندر...). في إشكالية نشأة الأشياء ، وتطوّرها و إنفصالها وإتحادّها دوريًا وخاصة عند هيروقليط صاحب نظرية التغّير والتحّول المستمر للظواهر.  
        في حين يرى بارميندس في حقيقة الوجود أن الثبات هو الخاصية الأولى للوجود، بفكرة أنه لا يوجد أي شيء في الطبيعة ، فالأشياء تتواجد ولا توجد. حيث يقول :" إن ما هو موجود فهو موجود و لا يمكن ألّا يوجد ، الوجود موجود و اللاوجود ليس موجودًا ولا مخرج من هذه الفكرة أبدًا". ويضيف:"يبقى لك طريق واحد للسير: الوجود هو موجود. ويوجد حشد من الإشارات التي تؤكد أن الوجود ليس مخلوقًا ، وليس فانيا ،لأنه وحده الكامل الثابت الأبدي(...) في الواقع ليس للوجود لا ولادة و لا بداية"  .                
    فما تفسير ذلك؟.
      فالمقصد البارمينيدي  أنه يوجد فقط ما هو كائن ، أما اللاوجود فلا مكان له ؛ وبمعنى أدق  أنه ليست هناك بداية للوجود من أين يأتي ؟ ومن اللاوجود لا يخلق وجودًا ، وكذلك ليس للوجود نهاية ، في أين ينتهي؟  لنفس السبب الذي لا توجد له بداية التي ذكرناها . ليورد بارمينيدس بصفة قطعية قائلا:"اللاوجود لا يمكن أن يعبّر عنه ولا أن يفكّر فيه".
    وبهذا المعنى فإن الوجود خالد لا يزول ، وهو أيضًا مترابط لأن أي إنقطاع فيه يمثل اللاوجود وهو ثابت أي لا يتغير إطلاقًا – لأن أي تغير يتحوّل إلى اللاوجود – وهو غير قابل للإنقسام ،  ولا توجد فيه أي إختلافات ، و أي إخلال بهذه المبادئ تعبّر عن العدم . وعليه فالوجود ثابت وواحد عنده.
    ليوضح بارمينيدس في فلسفته الشعرية قائلا:" يبدو أنه يجب أن تتناول بفكرك ، وبحزم ما يفلت من نظرك وما يقع تحته على السواء ، لن تنجح في قطع الوجود عن تواصله مع الوجود بشكل أنه لايهرب إلى الخارج و لا يتجمّع".
    وهذا الموقف البارمينيدي فما هو إلا تعبير عن معارضته لنظرية هيروقليط القائمة على الحركة والتجربة في نظرته للصورة المادية للعالم .لأن هذه المعرفة الحسية ما هي إلا ناقصة وظنية ،لأنها تعطي صورة مغالطة     للحقيقة كرد بارمينيدي .
    - كيف عالج بارمينيدس إشكالية الوجود على أنقاض نظرية التجربة أو الحس عن سابقيه؟
     بوصف الوجود أنه ثابت عند بارميندس وأن الثبات ينفي وجود أي تغيير .إذ أنه حاول معرفيًا أن ينسق بالفهم والإستنباط الفصل بين الوجود والتجربة ، وبين الفكر ومعرفة الحقائق، يقول :"إن الأشياء واحد في العقل كثير في الحس". أي إنتقل من يقين العقل إلى ظن الحواس. في أن هناك علاقة وثيقة بين الفكر ، والوجود وبمعنى أكثر نقول هذا موجود، يعني أن هنالك تفكير فيه ، فلا يمكن أن توجد فكرة بدون شيء موجود ويصرّح مؤكدًا
    " الفكر والوجود شيء واحد". ليشير أن معرفة الوجود هي معرفة يقينية بدون الحاجة إلى الحواس وإلى التجربة – معرفة ظنية - وأن العقل يكفي وحده للحديث عن الوجود.
    إذن بارمينيدس يرفض التعايش بين المنهجين (التجربة والعقل ) معا ،أي الجمع بين المتناقضات في الحكم حيث يقول :" فإن الحكم يتمحور حول هذا المأزق: أو هو موجود ،أو ليس موجودًا من المسلم به إذن يجب أن نتخلى عن الطريق الذي لا يمكن أن نعقله أو أن نسمّيه، لأنه ليس الطريق الصحيح ينتج ذلك أنه يبقى لنا الطريق الآخر، وهو الذي يطابق الواقع".
    فهنا لا يوجد وسط بين المتناقضات-عدم التناقض في لغة المنطق – عند بارمينيدس ويقول أيضًا :" لا مجال للشك أنه لن يكون بإمكانهم أبدًا أن يبرهنوا لك وجود اللاوجود ، وأنت ابتعد بتفكيرك عن طريق البحث هذا". من هذه الإشارة لبارمينيدس التي مثّلت منعطفًا جديد للفكر اليوناني ، لنقدِّم سؤالنا السابق.
    أين يكمن المنعطف البارمينيدي في قراءة هيدغر للوجود؟.
    نحن نعرف كما عرضنا مسبقًا تقويض هيدغر للميتافيزيقا الكلاسيكية، وللمنطق في نظرته المحدودة للوجود، وعندما يشير بارمينيدس أن "الفكر والوجود شيء واحد" كتطابق أنطولوجي الذي أشرنا إليه بالتفصيل مسبقا، فالوجود ثابت ولا يتغير و اللاوجود لا يوجد ، لأننا لا يمكننا إطلاقا التفكير فيه . إذن فهو يضع حدودًا للوجود، في تشدّد منطقي يحجز الوجود و يحجره في تجريد العقل وحده. ويعقب نيتشة :" إن بارمينيدس قد صاغ نظريته وقد سيطرت عليه قشعريرة التجريد الثلجية (...) طبيعة قد حجرها تحجيرًا كاملًا التشدّد المنطقي وحولها وكاد  إلى آلة التفكير".
    فهذا الأساس المنطقي الذي وقف عنده هيدغر، في تقويض عمق جذور تاريخ الأنطولوجيا التقليدية وتشخيصها. للنظرة الواحدية بين ثنائية "الفكر والوجود"في نفس الآن كتطابق أنطولوجي. - إذن أين تكمن اللحظة البارمينيدية في خطاب هيدغر؟.
    إن الوجود في قراءة هيدغر يعني الخروج إلى إنكشاف الكائن والتعرض له ،أي الإقامة في حقيقة الكائن بكليته . كراعي للوجود. وكذا أن الدزاين بقدر ما هو موجود فهو متناه . وبارمينيدس كما رأينا في نظرته للوجود في أن أي تغير أو حركة ، أو إنقسام يتحوّل إلى اللاوجود أو العدم، والموجود هناك عند هيدغر لا يتحقّق وجوده إلا بمساءلته للعدم، وكشف ماهيته .
    إذن فهي توحي إلى إشكالية بين الفكر وموضوعه عند بارمينيدس .كيف ذلك؟.
      كنوع من المقاربة ، فإن بارمينيدس ينكر الطريق لحقيقة العدم أنه موجود . فيقول  "...الأول يقول إن الوجود موجود ، وأنه لا يمكن ألا يكون موجودا .إنه لطريق اليقين لأنه يرافق الحقيقة. الطريق الآخر هو :   ليس الوجود موجودا ، و اللاوجود بالضرورة موجود، إن هذا الطريق هو درب ضيق لا يمكننا أن نتعلم عليه شيئا. ذلك أنه ليس بإمكاننا أن ندرك اللاوجود بالفكر،لأنه خارج متناولنا . كما لا يمكننا أن نعبّر عنه بعبارات ،في الواقع أن الفكر والوجود هما نفس الشيء".
    وبهذا بارمينيدس يعتبره من مغالطات الفكر، التي تكون بطريق اللغة المناسبة للتعبير الواحد الثابت للوجود والساكن لدى العامة ،في تلوّن الكلمات والإشارات الوهمية المتجزئة لعناصر الوجود جبال، كواكب سماء... ليوضح قائلا أيضا:" إنّ اللغة تجزؤ الوجود الواحد وتعطيه أسماء متعدّدة : الماء والجبل والإنسان ...وتعطي الوهم بأن هناك ما هو  قبل و ما هو بعد  أي بالماضي والمستقبل ".
        إذن فهو يفصل بين اللغة والفكر. ويعطي للفكر دور المصحح للحقيقة؛ لأن الكلمات بنظره أسماء مصطنعة من الكائنات الفانية ، وبالتالي فهي مجرد وسيلة أصطلح عليها حقيقة الوجود الواحد الساكن. و يقول في قصيدته :" إن فعل الفكر وموضوعه يختلطان بدون الوجود ،الذي يتلفظ بالفكر من داخله لا يمكن أن نجد فعل الفكر، إذ لا يوجد ولن يوجد أبدًا شيء خارج الوجود نظرا لأن المصير قد قيده بطريقة أصبح معها وحيدا وثابتا وهكذا إذن فإن كل هذه الأشياء ليست سوى أسماء أطلقتها الكائنات الفانية بسرعة تصديقها المعهودة ولادة وموت وجود ولا وجود ،تغيير مكان و فساد ألوان براقة...".
     وبما أن هيدغر ينظر لميتافيزيقا الدزاين كتخارج على الوجود في كليته L’étant ou totalité ، أي لا يمكن أن ينجز وجوده إلا بتعرّضه للعدم .و بارمينيدس يرى أننا ليس بمقدورنا أن ندرك اللاوجود بالفكر،لأنه خارج متناولنا كما لا يمكننا أن نعبّر عنه بعبارات صادقة في الواقع . فإن هيدغر يضع هذا التشدّد المنطقي لبارمينيدس عن حقيقة ميتافيزيقا الوجود للمساءلة الذي وقعت فيه الفلسفة الغربية ، ليبدأ هيدغر بهدم هذا الأساس الأنطولوجي القديم.،لتحل اللغة محل الفكر كأفق للكائن كإنفتاح على الوجود بكليته والمعبّرة عن وجوده.
         ومن هذا التقديم يظهر لنا أن هيدغر يميز الإنسان بلون فريد من الإنفتاح عن باقي الموجودات بما يملكه من طرق ممكنة لوجوده ، و إمكانات العلو الخاصة به ؛  لأنه لا يوجد عالم بمعماوال عن الإنسان . بطريق إقحام اللغة ونقلها من حقل ذاتها إلى حقل فهم الأنطولوجيا كأفق لتفكيك سلسلة العلاقات الكامنة في الإنسان المنفتح، وبين الكون ، والموجودات الأخرى كنسق كامل لفهم  compréhensionكينونة الكائن  
    لذلك سنتعرض إلى السياقات لمعنى الموجود أو "الدزاين" في القراءات المترجمة عن لغة هيدغر.
    3ـ مفهوم الدزاين في قراءة هيدغر للأنطولوجيا  
     
    لقد إختلفت تفسيرات هيدغر في تفكيك كلمة "كائن" بحسب قراءته لموضوع المساءلة حيث
    يقول: " من الجلي أنكم قد ألفتم بعد طويلًا، ما تعنون على وجه الدقّة من إستعْمَلتم لفظة "كائن"،على أن ما ظننا أننا فهمناه على الحقيقة إنما نحن الآن منه في حرج شديد ".هل لدينا اليوم جواب عن السؤال عما نعنيه خاصة بلفظ "كائن"؟ وهكذا يجدر بنا أن نطرح السؤال عن معنى الكينونة مجدداً. فهل نحن اليوم أيضا في حرج فقط من أننا لا نفهم عبارة ّكينونة ّ؟ أبدًا وهكذا يجدر بنا قبل أن نشير أول بدء مرة أخرى فهما ما لمعنى هذا السؤال".            
    هذا  الخطاب الذي أعدّه هيدغر للإشتغال العيني على سؤال معنى الكينونة وإرتباطها بالزمن، ليبدأ هيدغر في مساءلة الكينونة بنيتها وبدايتها، لقد أرهق أفلاطون  و أرسطو في مبحثهم صعودا في تلون بعدة تلوينات التي شكلت أرضية المبادئ اليونانية لتأويل الكينونة. لنرى بعض معاني كلمة  "الدازاين" عبر تلون مفهومها  في اللغة الألمانية .
    مصطلح الدزاين Dasein يشير في الإستخدام العادي باللغة الألمانية  إلى ما بالمعنى العادي للكلمة، كقولنا :"هل شيء كهذا موجود فعلا؟" أو كقولنا :"نريد لأبنائنا وجودا أفضل من وجودنا" فهي كلمة تتشكل بوصل" DA" التي تعني "هناك" "there" ب" sein" التي هي مصدرto be.
    أما في الإنجليزية :الدزاين هو being-there،أي الموجود هناك."إن مصطلح الموجود ـ هناك، في كتاب الوجود والزمان ،هو بنية شكلية على الموجود المتميز أنطولوجيا عن بقية الكيانات الأخرى بحقيقة أنه من حيث وجوده هو موضع تساؤل"
    أما في اللغة الفرنسية فقد تعثّرت الترجمة ، ففي رسالة لهيدغر بتاريخ 23 نوفمبر 1945م. أين يوضح هيدغر قائلا : " إن DA-SEIN ...لم يبلغ أن يعني "ها أنا ذا"بل متى حق لي أن أعبر بالفرنسية ربما كانت غير ممكنة : être –le-la ، وإن le-la" ،هي بالتحديد lalètheria   عدم ـ الإحتجاب ـ الوضوح للعيان."
      فترجمة هيدغر لمفهوم  الدزاين تحمل دلالات تتطور بتطور فكر الكائن لذا فلا يمكن الوقوف على معنى واحد ، أو المعنى اللغوي لهذه الكلمة . أما ما يميز الكينونة ، فهي تتقلب على عدّة معاني بحسب هيدغر   الدزاين (كينونة الهناك) يتميز بها الكائن، تجعله يسأل عن معنى وجوده ، أما الوجود فهو نفسه  (طريقة الدزاين) التي تجعله ينفتح ويسأل عن معنى كينونته.
    فالدزاين هو كائن من شأنه أن " يكون "على طريقة الوجود (الدزاين يوجد) ، لذلك فهو مثل الوجود؛ أي على أساس تعيّن الوجود الذي من شأنه هو في ذات نفسه "انطولوجي"  فهو لا يقل أصلية عن الوجود، وبمثابة مقوّم لفهمه بكليته عند هيدغر.
    وفي هذا الصدد يورد هيدغر موضحًا:" أما من سيكشف عنه بوصفه معنى كينونة الكائن،الذي نسميه الدزاين فهو" الزمانية "...يحتاج إلى تفسير أصلي للزمان بوصفه أفقأ لفهم الكينونة إنطلاقًا  من الزمانية وصفها كينونة الدزاين الفاهم للكينونة"، فهيدغر يتجاوز التصور المنطقي للحدود اللفظية للفلسفة التقليدية طبقا للجنس والنوع ، فالكينونة هي كلية تستغرق الوجود بما فيه الكائن. فيقول هيدغر:"...توفير الإجابة عن السؤال التقليدي "ما هي الكينونة"،لا معنى له ليس جواب بل طرح السؤال على نحو مناسب  - ليس هذا الكائن سوى "نحن أنفسنا"من جهة ما نحن "سائلون" أو كائنات سائلة. "                                              
    لذا فإن هيدغر يبحث عن ماهية سائلة تكشف الغطاء عن الكائن . ففهم الكائن عنده يتّجه بين الكائن والزمن  بتصور كلي أول تلقائي للكائن والزمن وهو الإنفتاح الكامل، فالكائن فهم في أو داخل أفق الزمن، والزمن هو الآنية في الإنفتاح الكلي موازاة مع الفهم التزمّني للكائن، فالإجابة الهيدغرية عن أساس التفكير عن سؤال الكائن  يفهم داخل أفق الزمن.
      ويوضّح هيدغر ذلك قائلًا:" نحن  نسمي "كائنا " أمورا شتى وفي معنى متباين.إنما الكائن هو كل  ما نتكلم عنه ، وما نقصده ، وما إزاءه على هذا النحو أو ذاك نحن سالكون والكائن هو أيضا ما نحو كيفما نحن أنفسنا ، إن الكينونة تتمثل في الشيء يكون وعلى نحو ما يكون. في الواقع و القيمومة والبقاء والصلاحية والوجود". ينطلق من الكائن السائل عن الوجود، أن يبدأ من ذاته ؛ فهو أحد أطراف الوجود المتعين له تمثلاته وأحواله الكامنة في حقيقة وسبل وجوده .    
        ومن خلال هذه المعاني المختلفة لمعنى الكينونة من المنظور الهيدغري ، لنطرح سؤالا آخر يقف أمام  البحث عن إمكانية هذا الموجود أو الدزاين في التحقّق الممكن؟.أو بصيغة أخرى ، كيف يبلغ الدزاين حدثًا للكينونة ؟.
    أولًا الفهم الموجودي :هو تفسير للخصائص الأنطولوجية "للموجود هناك" وهذه الخصائص يسميها هيدغر خصائص "وجودية" . وذلك في مقابل الخصائص الأنطولوجية للمتواجدات الجامدة الخام.أي المتواجدات التي ليست على هيئة الموجود – هناك الإنساني - يعني أنه وجود معيّة ، بالإشتراك في حالة منبع القلق هو العالم من حيث هو كذلك ،أما موضوع قلقنا فإننا نكون موجودين في العالم، وهكذا فإن القلق يُظهِر الدزاين
    من حيث هو وجود في العالم موجود فيه وجودًا واقعيًا ، بنيتة" الموجود ـ المتقدّم.على ذاته الملقى به بالفعل في العالم؛ وجود قائم أمام الموجودات الأخرى التي يقابلها وهو" الهم".                                                  
      فالدزاين عند هيدغر متقدّما عن باقي الموجودات ، يتحقّق وجوده وفقا للقلق ينفتح وينكشف على الوجود . كيف يتم ذلك من خلال قراءة هيدغر للكينونة؟.
      كما أسلفنا الذكر فالميتافيزيقا عند هيدغر ،هي تساؤل في ما راء الكائن بدل الوجود، من إجل إستعادته للفهم من حيث هو كذلك وفي كليته؛ وتقويضًا لمشروعية سيادة المنطق في الميتافيزيقا التقليدية ، بالسؤال عن اللاشيء أو العدم الذي أصبح في طي النسيان للتفكير الغربي يقول هيدغر:" تعني الكينونة التعرّض للاشيء بتعرضها للاشيء تكون الكينونة دائما مسبقا فيما وراء الكائن في كليته ، وهذا الكون فيما وراء الكائن في كليته  وهذا الكون فيما وراء الكائن نسميه المتعالي."
    ويضيف هيدغر أيضا السمة التي تتميز بها الكينونة إزاء الكائن قائلًا :" الكينونة لا يمكن أن تتصرف إزاء الكائن أي لا يمكن أن تنجز وجودها إلا بتعرضها للعدم ، وإذا كان العدم لا يتجلى أصلا إلا في القلق ،أفلا يجب  إذن أن نهيم بإستمرار في القلق حتى يمكن أن ننجز وجودنا بشكل عام؟."
      فعند ذهابنا إلى ما وراء الكائن في كليته ؛ في هذه الحال نكون قد أثبتنا أنه سؤال ميتافيزيقي ؛ ونحن نعرف أن كل سؤال في الميتافيزيقا يشمل كلية ميتافيزيقية ، ففي كل بحث من هذا النوع  سيتم إدراج الكينونة السائلة وهي "نحن"؛ أي يكون المتسائل حاضرا هو أيضا في السؤال الذي أراده هيدغر في فهمه للسؤال التأسيسي  عن الدزاين.        
        إذن فاللاشيء ينكشف بالقلق، ولكن ليس كموضوع ، فوضع اللاشيء المرتبط بالقلق ينبعث الإنفتاح الأصلي للكائن، بما هو كذلك، فحينها ندرك أنه هناك كائن وليس اللاشيء، " إن الإنسان ذاته يؤكد أن القلق يكشف اللاشيء ، وذلك مباشرة بعد ما يزاوله القلق وفي وضح النظرة التي تحملها الذكرى الحية يجب القول : أن قلقنا منه وعليه كان في "الحقيقة"ـ لاشيء وبالفعل،إن اللاشيء ذاته ـ بما هو كذلك كان هنا في الحال الوجداني الأساسي للقلق، نكون قد بلغنا حدثا للكينونة يتجلى فيه اللاشيء ، ويجب إنطلاقا منه أن نسأل عنه"
      ومن هذه الإنطلاقة الأساسية لفهم كينونة الدزاين ؛ فالضجر والقلق يكشف الكائن بكليته فهي نقطة التخارج لإمكاناته في تحقّق وجوده . فالوجدانية هي الحدث الأساسي لكينونتنا في نظر هيدغر. ولكن بأي سبيل تكشف هذه الوجدانية في الكائن؟.
    يقول هيدغر:" إن ما نسميه "بالمشاعر" ليس ظاهرة عابرة مرافقة لتفكيرنا وإرادتنا، ولا مجرد باعث يثير همًا ، ولا مجرد حالة قائمة يجب أن تنكشف معها فهذا الشكل أو ذاك."  ليدخل هيدغر في سلسلة من التفسيرات عن الجدل القائم بين الأحوال الوجدانية والقلق فهذه الحالة من اللحظات التي نعيشها نكون قد بلغنا حدثا للكينونة يتجلى فيه اللاشيء ،ومن هذا المنطلق نسأل عن اللاشيء برأي هيدغر. " فالعدم هو ما يسمح بتجلي الكائن بما هو كذلك للكينونة البشرية".
        فهيدغر يوضع السؤال، في البحث عن المعنى الحقيقي للكينونة في كيف يذهب الإستجواب للهدف إلى التعريف؛ الذي هو أيضا تسائل نفسه ، كسلوك للكائن السائل الذي حققه ، يدعو من جديد لإستجواب شفاف يدفع الكائن لطلب معنى الوجود بكل شفافية في مجموع الإستجوابات وكليتها. فالسؤال المتعلق بالعدم جعلت من الفكر الهيدغري مرغما ب"هناك- الدزاين"،مخالفا درب الميتافيزيقا الكلاسيكية المتعلقة بوجود الموجودات ولغة الميتافيزيقا السائدة، التي هي من أهم إهتمامات التي شغلت فلسفة هيدغر، إن ماهية الكائن تأخذ شكل الحضور؛ في إدراك علاقة حقيقة الوجود وماهية الإنسان.
    فكينونة الكائن تتجلّى وتنكشف بالقلق ؛ أي يوجد أولا ثم يتعرف إلى نفسه ، فالمنطلق الشجيري للميتافيزيقا هو فهم الذات الباطنية بالوجدان أولًا ، ليتخارج إلى العالم الخارجي ليوجد لنفسه أشياء تحدّد صفاته. حيث يقر هيدغر صراحة :" أن العالم أصل الذاتية والموضوعية معا". فالعالم الموضوعي هو عالم الأشياء التي تنتهجها العلوم، موازاة مع عالم باطني وجداني كامن داخل الإنسان.
    فالسؤال الأنطولوجي لمعنى الوجود عند هيدغر ، يكمن في متابعة تفسير تأملات وجود الكينونة، في تأسيسها الأصلي وإمكانية وجود حقيقي أو زائف موازاة مع التزمن(الوقتية) في تجلي الكينونة وجدانيا؛ وذلك أن نشعر بالقلق، نتيجة لذلك فإن كينونة التحضير الوجودي قبل الإنفتاح أو الإنفراج . لذلك فالتزمّن هو الهيكل الأصلي للكائن.                      
    من خلال تحليل هيدغر للعلاقة  الملازمة بين الوجود والزمان.وهو المنعرج الذي سينطلق فيه في مسألة الإختلاف الأنطولوجي الذي يفصل بين الوجود والموجود هناك ؛ أي تفكيك ميتافزيقا ماهية الكائن في مساءلة هيدغر للرابط الخفي للكائن المتزمّن  لأول خروج له للعالم والعلاقات التي تربطه معه بكل أبعاده المتشعّبة من خلال كتابه"الوجود والزمان.

    قائمة المصادر والمراجع
    مارتن هيدغر: الكينونة والزمان،ترجمة،فتحي المسكيني، دار الكتاب الجديد المتحدة،ليبيا،(ط1)، 2012،(ج1).
    مارتن هيدغر: السؤال والزمان ، (ج1).
    مارتن هبدغر: كتابات أساسية ،(ج2).

    Martin Hedegger :Etre et temps, traduction,Emmamid Martineau ,Edition Numérique Hors Commerce, Paris,2005.
    Alain Boutot :Heidegger ,put Edition Delta ,Paris,3eme édition,1995.  
    إسماعيل مهنانة : الوجود والحداثة .
    جورج هانز قدامير:طرق هيدغر.
    نقلا عن يوسف كرم: تاريخ الفلسفة اليونانية.
     نقلا عن هانز جورج قدامير :بداية الفلسفة،ترجمة علي حاكم صالح ،حسن ناظم،دار الكتاب الجديد ،بيروت،(ط1)،2002.
     عزت قرني : الفلسفة اليونانية حتى أفلاطون.
    نقلا عن  فريدريك نيتشة: الفلسفة اليونانية في العصر المأساوي الإغريقي ،ترجمة،سهيل القش،دار(مجد) بيروت،(ط2)،1983،
    نقلا عن عبد الرزاق الدواي: موت الإنسان.
    يرى بارمينيدس  في تشخيصه للوجود في كرة مادية متّصلة هي مع ذلك واحدة غير منقسمة وثابتة متجاوزا علم الظواهر لفلاسفة الطبيعة.
     فريديريك نيتشة: الفلسفة في العصر المأساوي الإغريقي.
    بارمينيدس يعارض الوحدة بين الكلمات والوجود،إذ يعطي للوغوس  وحدة الفكر والوجود.
    فتحي المسكيني:التفكير بعد هيدغر،آو كيف الخروج من العصر التأويلي للعقل؟ جداول للنشر والتوزيع،،لبنان (ط1)،2011.
    ا.م. بوخنسكي:الفلسفة المعاصرة في أوربا ،ترجمة ،عزت قرني، عالم المعرفة ،الكويت ،(دط)،
    القلق لا يعني به هيدغر  الخوف، لأن الخوف أو  الجزع موضوعه محدّد ومدرك بإتجاه شيء ما ،فالقلق ليس عن هذا أو ذالك بعيد عن التحديد.
    Noeelle Braaqun ,Jacqueline Laffite :Dictionnaire de Philosophes ,revenue et augmentée ,Arland Colin ,Paris,2eme édition.

      الوقت/التاريخ الآن هو الأربعاء أغسطس 23, 2017 12:52 pm