مرحبا بكم في هذا المنتدى الخاص بعلوم الإعلام و الإتصال و العلوم السياسية والحقوق و العلوم الإنسانية في الجامعات الجزائرية
. نرحب بمساهماتكم في منتدى الطلبة الجزائريين للعلوم السياسية و الاعلام والحقوق و العلوم الإنسانية montada 30dz

دخول

لقد نسيت كلمة السر

المواضيع الأخيرة

» الفوارق بين المنهجين التجريبي وشبه التجريبي
الثلاثاء أغسطس 15, 2017 8:07 pm من طرف محمد عصام خليل

» دورات في الصحافة والاعلام 2017
الأربعاء أغسطس 02, 2017 12:07 pm من طرف الاء العباسي

» سؤال مسابقة الأساتذة للإلتحاق برتبة أستاذ التعليم الثانوي تخصص فلسفة دورو 2017
السبت يوليو 08, 2017 2:12 pm من طرف hibatallah

» الفلسفة العربية المعاصرة والتحديات الراهنة
الخميس يونيو 15, 2017 12:04 pm من طرف hibatallah

» منتدى الطلبة الجزائريين للعلوم السياسية و الإعلام و الحقوق و العلوم الإنسانية
الثلاثاء يونيو 13, 2017 3:38 pm من طرف المشرف العام

» برنامج متعدد السنوات لمختلف الفئات الصغرى في كرة القدم من 7 الى 21 سنة
الجمعة يونيو 09, 2017 7:55 pm من طرف malik25

» تعريف الإشهار،قانون الإشهار
الأحد أبريل 16, 2017 7:16 pm من طرف مايسة Itfc

» الدراسات الإعلامية القيمية المعاصرة ونظرية الحتمية القيمية
الأربعاء أبريل 12, 2017 12:28 am من طرف مايسة Itfc

» مقياس :اقتصاديات الصحافة و الاعلام
الجمعة فبراير 24, 2017 11:16 pm من طرف المشرف العام

» اللغة الاعلامية :دروس
الثلاثاء فبراير 14, 2017 9:45 pm من طرف مايسة Itfc


    مقياس : مدخل الى الفلسفة

    شاطر
    avatar
    حميد

    البلد : الجزائر
    عدد المساهمات : 102
    نقاط : 158
    تاريخ التسجيل : 30/05/2011
    العمر : 28

    مقياس : مدخل الى الفلسفة

    مُساهمة من طرف حميد في الإثنين نوفمبر 07, 2011 7:08 pm

    السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
    صح عيدكم

    برنامج المقياس في المغرب و الجزائر
    http://sociologierabat.maktoobblog.com/369/
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    مقدمة في الفلسفة العامة ،الدكتور يحيى هويدى

    دار الثقافة للنشر والتوزيع القاهرة 1989
    270 صفحة
    لمن أراد شراء الكتاب :
    http://www.neelwafurat.com/itempage.aspx?id=egb104836-5104553&search=books
    التحميل من مكتبة المصطفى :
    http://al-mostafa.info/data/arabic/depot2/gap.php?file=014190.pdf
    avatar
    حميد

    البلد : الجزائر
    عدد المساهمات : 102
    نقاط : 158
    تاريخ التسجيل : 30/05/2011
    العمر : 28

    رد: مقياس : مدخل الى الفلسفة

    مُساهمة من طرف حميد في الإثنين نوفمبر 07, 2011 7:43 pm

    روابط أخرى للتحميل
    http://4kitab.com/book/662
    مكتبة المنتدى
    www.koutoub.jimdo.com

    للاستفادة أكثر يمكنكم الدخول الى موقع المغربي فيلوصوفيا
    موقع جيد و اعتمد عليه في كثير من درستي
    http://philo.top-me.com/t1536-topic

    avatar
    موسى

    البلد : تقرت، ورقلة - الجزائر
    عدد المساهمات : 29
    نقاط : 37
    تاريخ التسجيل : 22/06/2011
    العمر : 27

    الفلسفة عبر العصور

    مُساهمة من طرف موسى في الأربعاء أكتوبر 17, 2012 7:38 pm

    السلام عليكم و رحمة الله
    الفلسفة الهندية:
    كان من أهم الأسس والخصائص التي قامت عليها الفلسفة الهندية ما يلي:
    ا - مشكلة الخلاص: الخلاص من المعاناة وأنواع العذب، وهو يمثل الأصل الذي انبعثت عنه الفلسفات الهندية بمدارسها وأنساقها المتنوعة، فإذا كانت مشكلة الخلاص قد وجدت لها حلا في الفكر المصري القديم يتمثل في مقاومة الموت عن طريق وسائل التخليد التي ابتكروها، فإن الفلسفة الهندية قد تعمقت في دراسة هذه المشكلة، وبينت مفهوم الخلاص، ومعنى المعاناة وأسبابها وكيفية توقيها، والوصول إلى الخلاص النهائي منها، وعلى هذا الأساس تعددت المدارس الفلسفية وتنوعت الحلول بين عملية ومنطقية وزهدية عرفانية، وظهرت مدارس الاتحاد ووحدة الوجود، التي كان لها أثر كبير في الفلاسفة المسلمين كما سيتضح فيما بعد. (انظر: مدخل إلى الفلسفة، ص81).
    ب - عقيدة التناسخ: وتعني انتقال الروح من الجسد عند الموت إلى جسد آخر، وتستمر هكذا في التنقل بين الأجساد حتى تستقر في أصلها الأول الذي صدرت منه، فإذا كانت الفلسفات "البراهمانية" قد انطلقت من سعي الحكماء الدائب للخلاص من كل أشكال المعاناة الإنسانية, فإن عقيدة التناسخ كانت هي الأخرى حلا لكل ضروب المعاناة التي تحفل بها الحياة، والتي يمثل التغلب عليها المشكلة الجوهرية لدى "البوذية"، وهذه العقيدة كان لها أثر كبير في بعض المدارس الفلسفية والتصوفية الإسلامية. (المصدر السابق: ص82 وما بعدها).
    2) الفلسفة اليونانية:
    تنقسم الفلسفة اليونانية إلى ثلاث مراحل:
    تبدأ بالمرحلة السابقة علي سقراط: وإن كانت لا تشمل السوفسطائيين الذين كانوا معاصرين وسابقين في آنٍ واحد علي سقراط، وتمثل مدة ظهور الفلسفة اليونانية، ثم المرحلة الممتدة من السوفسطائيين إلي أرسطو، والتي تشمل سقراط وأفلاطون، ثم مرحلة ما بعد أرسطو والتي تشكل سقوط وانهيار الفكر القومي.
    وفي تتبع النمو والتطور الفكري لهذه الفلسفات كان هناك هذه المدارس الفلسفية اليونانية: الأيونيون: مثل الفلاسفة الثلاثة: (طاليس، انكسماندريس، انكسمانس) ، وكانوا ينحدرون جميع من أيونيا (ساحل آسيا الصغري) ومن هنا جاء سر تسمية المدرسة بهذا الاسم، التي يُعد طاليس فيلسوفها الأول والأب الشرعي للمدرسة الأولي الفلسفية في التاريخ، وقد امتاز الفلاسفة الأيونيون بنزعتهم المادية، فهم كثيرا ما يسمون بأصحاب النزعة المادية الحية Hyliocists م الكلمة اليونانية Hule وتعني المادة.
    الفيثاغوريون: فيثاغورس فيلسوف حيَّر الفلاسفة قبل غيرهم، في كل عصر له فلسفة، وفي كل فلسفة له شخصية مختلفة ومباديء ونظريات مختلفة، وجميع سيره وأبرزها ثلاث كُتِبَتْ جميعُها بلغة الخيال التي مفرداتها الرموز المدعمة بقصص المعجزات والأعاجيب التي قام بها، والتي تكشفت حول حياته من بدايتها وحتي هذه اللحظة.
    الأيليون: كان بارمنيدس وزينون الممثلين الرئيسيين لهذه المدرسة ينتميان الي المنطقة المسماة غيليا، ومع الأيليين نخطو أول مرة علي أرض الفلسفة الحقة، فإذا كان مؤسسها المشهور هو أكزينوفان فإن بارمنيدس مبدعها الأول الذي ذهب بعيدا في المباديء الأولية لأكزينوفان الذي كان يعبر عنها شعرا, وخاصة فيما يتعلق بمبدأ وحدة الوجود ، فلو لم يبق من أكزينوفان غير مقولته (الكل هو واحد) فإن مكانه سيظل محفوظا أعلي مراتب الفلاسفة العظام، أما بارمنيدس فإنه وإن لم يأت بنتائج جديدة إلا أنه جاء بطرق تفكير جديدة ذات أهمية قصوي للفلسفة، لقد ترك لنا عددا من الحجج والبراهين كانت بمثابة فتح لأفق جديد من آفاق التفلسف، دلت علي النضج الذي بلغته الفلسفة اليونانية علي يد هذا الفيلسوف كما حققته علي يد غيره.
    جاء بعد الأيليين مفكر آخر كبير استطاع أن يؤسس له مذهبا فلسفيا جبارا وهو هرقليط، ويرجح أنه جاء تاليا لأكزينوفان ومعاصرا لبارمنيدس ومناقضا للأيليين الذين أنكروا الصيرورة، امتاز هرقليطس بأسلوب كتابته الرائع الذي لم يبق منه إلا شذرات وأقوال مأثورة قصيرة حبلى بالمعاني، سارت كما الأمثال بين الناس وأثرت في أغلب الفلاسفة من بعده مثل (نحن ننزل في النهر الواحد ولا ننزل فيه، فما من إنسان ينماوال في النهر الواحد مرتين)، وقد بلغت ماديته النسبية ذروة هبوطها حينما وصل إلى فكرة (الوهم) واستمر في إنكاره لثبات الأشياء، ولكن بقيت فكرته الجبارة تهز العقول البشرية علي مر العصور كلما فكرت تلك العقول بصيرورة الأشياء، تلك الصيرورة التي ليس لها إلا الظهور بنقيضين: قيام الأشياء، انقضائها، انبعاثها وانحلالها. (موقع الزمان، بتصرف).
    وكان هناك بعد ذلك مذاهب فلسفية كبرى وهي: الأفلاطونية والرواقية والأرسطوطالية والأبيقورية، وهذه الأخيرة انطلقت من أساس تحرير الإنسان من مخاوفه المتعددة: الخوف من الله ومن العقاب على أعماله، والخوف من الموت لسبب ما قيل له عن الحياة بعد الموت، وضيعت هذه المخاوف عليه سعادته، وكان عليه أن يعمل لإزالتها لأنها أكبر عائق يعوق سعادته، كما أنهم كانوا لا يرون في الوجود سوى المادة، فكل شيء مكوّن من ذرات، والنفس ذاتها ليست إلا مجموعة ذرات تتفرق عند الموت، وعليه ألا يخاف الموت وأن لا يفكر في الآخرة؛ لأن الإنسان يضمحل بعد الموت، لذا فعليه أن يبحث كيف يعيش سعيداً في أيامه التي يعيشها هنا والآن، فشددوا على اللذة، وجعلوها وحدها غاية الإنسانية، فانطلقوا يسرفون في هذا الطلب حتى صار لفظ "أبيقوري" عنواناً للإلحاد والاستهتار والفسق والدعارة بكل أشكالها. (موقع: "كلمة الحياة" -بوذي-)
    هذا وبصفة عامة فقد كان من أهم سمات الفلسفة اليونانية أنها تؤمن بقدرة العقل على إدراك الغيبيات الماورائية، أو عالم المثُل بحسب تعبير أفلاطون، وأن الفلاسفة السابقين لسقراط كانوا كمعظم المعاصرين لهم، لا يؤمنون بوجود آلهة أو قوى فوق الطبيعة تتسبب فيما يقع من أحداث، فعوضًا عن ذلك كانوا يلتمسون للظاهرة الطبيعية تفسيرًا مستمدًا من الطبيعة، فكان منهم من يقول بأن المبدع الأول هو الماء، وقد نظر هؤلاء الفلاسفة إلى الكون باعتباره مجموعة من الظواهر الموحدة التي يستطيع الإنسان بفكره أن يوجد لها تفسيرًا ما، وقد أعطوا العديد من الأجوبة المختلفة المتضاربة للمسائل الفلسفية الأساسية، غير أن أهمية الفلاسفة السابقين لسقراط لا ترجع إلى صدق أجوبتهم بقدر ما ترجع إلى كونهم اهتموا قبل كل شيء ببحث المسائل، علماً بأنه لم تتوفر لهم آنذاك تقاليد فلسفية يستفيدون منها، بل إن أفكارهم هي التي تحولت إلى تراث ينهل منه الفلاسفة اللاحقون.
    أبرز فلاسفة اليونان:
    سقراط:
    لم يترك أي أثر مكتوب رغم أنه كان دائمًا ينهمك في المناقشات الفلسفية، وقد وصلتنا أفكاره ومناهجه عن طريق مجالس الحوار، التي كتبها تلميذه أفلاطون، حيث برز سقراط شخصًا رئيسيًا يشرف على الحوار، ويشرح عملية البحث عن الحقيقة.
    عاش سقراط في أثينا، وعلّم في الشوارع والأسواق والملاعب الرياضية بطريقة السؤال والجواب، كما حاول أن يضع تعريفًا دقيقًا لبعض الأفكار التجريدية مثل المعرفة والفضيلة والعدل والحكمة، كل ذلك عن طريق أسئلة محكمة صارمة متلاحقة، من نوع :ماذا تعني؟ كيف عرفت ذلك؟ إن هذا الإجراء الذي يسمى الطريقة السقراطية مالبث أن أصبح من الطرائق الفلسفية النموذجية التي تُعنى بالمناقشة والحوار.
    أراد سقراط أن يستبدل بالآراء الغامضة أفكارًا واضحة، وكثيرًا ما كان يجادل بعض أعيان أثينا, ويفضح ادعاءهم الفارغ للمعرفة والحكمة، مما سبب له العداوة بينهم، فحُكِمَ عليه بالموت بدعوى أنه يشكل خطرًا على الدولة، وبذلك أصبح رمزًا للفيلسوف الذي يواصل باستمرار بحثه عن الحقيقة مهما كان الثمن.
    أفلاطون:
    كان يعتقد أنه لا يمكن التوصل إلى معرفة حقيقة الأشياء عن طريق الحواس؛ لأن الأشياء المدركة عن طريقها سريعة الزوال ومتغيرة باستمرار، ويرى أن الإنسان لا يستطيع أن يتوصل إلى المعرفة الأصيلة إلا فيما يخص الأشياء التي لا تتغير، مثل الحقيقة والجمال والخير وغير ذلك من الأمور التي ندركها بالعقل، التي سماها الأفكار أو الأشكال، يقول أفلاطون:
    إن الأفكار وحدها مطابقة للحقيقة، وإن الأشياء الأخرى كلها إنما هي صور منعكسة عن الأفكار، وقد أصبحت وجهة النظر هذه تُعرف باسم المثالية، ويرى أفلاطون أن أعظم الأفكار هي فكرة الخير، وأن موضوع الخير هو الأجدر بالبحث، بل هو الهدف الذي تخضع له كل الأشياء الأخرى، ويرى أيضًا أن الحياة المثلى هي التي يُكرسها الإنسان للتأمل في الحقائق الأبدية، على أنه يعتقد أن الإنسان إذا وصل إلى هذا المستوى، ينبغي له أن يعود إلى دنيا الناس، ويستعمل قدراته ومعلوماته في خدمة الإنسانية، كذلك يعتقد أفلاطون أن الروح خالدة، وأن الجسم وحده هالك عند الممات، وقد أسهمت أفكاره في إثراء تصورات الغربيين الفلسفية عن الجسم والروح والحقائق الخالدة، التي تناولها اللاهوت النصراني فيما بعد بمزيد من الشرح.
    أرسطو:
    يُعتبر أعظم تلامذة أفلاطون، فقد تطرق لجميع المواضيع المعروفة في زمانه، وهو الذي ابتكر فكرة العلم واختلاف العلوم، بحيث ينفرد كل واحد منها بمبادئه، ويتناول المواد الخاصة به، ولذلك فإنه ألَّف في مختلف المواضيع كالفيزياء وعلم الفلك وعلم النفس وعلم الأحياء وعلم وظائف الأعضاء وعلم التشريح، كما أنه بحث في ما سمّاه الفلسفة الأولى التي أصبحت تُعرف فيما بعد باسم الميتافيزيقا.
    يُعد أرسطو أول من أنشأ منظومة فلسفية، حيث قال: إن كل فروع البحث والمعرفة إنما هي أجزاء من منظومة شاملة، وهي مترابطة فيما بينها بجملة من المفاهيم والمبادئ، ويعتقد أرسطو أن جميع الأشياء ما وُجِدت في الطبيعة إلا لأداء غرض معين، وبمقتضى فلسفته فإن الخصائص الطبيعية للأشياء تابعة للغرض الذي من أجله وجدت، لذلك فجميع الأشياء تسعى إلى إبراز خصائصها بالسعي لتأدية ذلك الغرض.
    يتمثل المنهج الأساسي الذي اعتمده أرسطو في بحوثه في الانطلاق مما نعرفه، أو نعتقد بأننا نعرفه، ثم الانتقال للسؤال: كيف؟ ماذا؟ ولماذا؟ أما في كتابه (الميتافيزيقا) ما وراء الطبيعة، فقد شرح فكرة السبب الأول الذي في حد ذاته ليس ناتجًا عن أي سبب آخر، حيث وجد فيه التفسير النهائي للوجود، وقد تبنى اللاهوتيون النصارى فيما بعد هذه الفكرة برهانًا أساسيًا على وجود الله.
    ويقول أرسطو: إن كل إنسان يسعى لما يراه خيرًا وإن السعادة لا تكمن في اللّذة، بل في العمل الصالح، ويعني به السلوك بمقتضى الوسط بين الطرفين؛ أي أن خير الأمور أوسطها، على سبيل المثال: فالشجاعة هي الوسط بين الطرفين: الجبن والتهور، لكن الإنسان السعيد حقًا هو ذلك الذي يستعمل عقله في التفكير التأملي. (البحث السابق).
    فلسفة القرون الوسطى:
    تطورت الفلسفة الغربية أثناء العصور الوسطى بكيفية جعلتها جزءًا من اللاهوت النصراني، أكثر من كونها فرعا مستقلا من البحث العلمي، وهكذا لم يبق للفلسفة اليونانية والرومانية من آثار سوى ما تركته من أثر على الفكر الديني.
    كان القديس (أوغسطين) أشهر الفلاسفة في أوائل العصور الوسطى، ففي كتابه (مدينة الله) الذي ألّفه في بداية القرن الخامس الميلادي أعطى للتاريخ البشري تفسيرًا من حيث إنه صراع بين النصارى الذين يعيشون في مدينة الله، والوثنيين والمرتدين الذين يعيشون في مدينة الدنيا.
    يقول أوغسطين: إن أصحاب (مدينة الله) سوف يكون جزاؤهم الخلاص الأبدي، أما أصحاب مدينة الدنيا فسوف ينالون العذاب المستديم، إن هذا الكتاب قد زعزع الوثنية السائدة في روما، وساعد في انتشار النصرانية خلال ذلك الوقت.
    في فلسفة القرون الوسطى سادت منظومة من الفكر تسمى المدرسية بين القرن الثاني عشر والقرن الخامس عشر الميلاديين، والمدرسية تُشير إلى منهج فلسفي للاستقصاء، استعمله أساتذة الفلسفة واللاهوت في الجامعات الأولى التي ظهرت في أوروبا الغربية، وكانوا يُسمّون المدرسيين.
    يعتمد المنهج المدرسي على التحليل الدقيق للمفاهيم، مع التمييز البارع بين المدلولات المختلفة لتلك المفاهيم، وقد استعمل المدرسيون المحاكمة الاستنتاجية انطلاقًا من المباديء التي وضعوها بمنهجهم، بقصد إيجاد الحلول للمشكلات العارضة.
    نشأت المدرسية نتيجة لترجمة أعمال أرسطو إلى اللاتينية التي هي لغة الكنيسة النصرانية في العصر الوسيط، فهذه الأعمال حثت المفكرين آنذاك على التوفيق بين أفكار أرسطو الرئيسية والتوراة والعقيدة النصرانية، إن أشهر المدرسيين هو القديس توما الأكويني، حيث اجتمع في فلسفته فكر أرسطو والفكر اللاهوتي، حتى إنها أصبحت هي الفلسفة الرسمية للكنيسة الرومانية الكاثوليكية.
    قدّم المدرسيون إسهامات قيِّمة في تطور الفلسفة، منها ما قدّموه من أعمال في مجال فلسفة اللغة، حيث بينوا كيف يمكن لخصائص اللغة أن تؤثر في تصورنا للعالم، كما أنهم ركزوا على أهمية المنطق في البحوث الفلسفية.

    نشأة الفلسفة الإسلامية كانت الفتنة الكبرى التي استشهد فيها الخليفة الثالث "عثمان بن عفان" رضي الله عنه من أخطر الأزمات التي تعرض لها المجتمع الإسلامي آنذاك، فقد كان مما تمخض عن هذه الفتنة نشوء ثلاث فرق إسلامية هي: الخوارج: وهم الذين خرجوا على علي رضي الله عنه في قضية التحكيم، والشيعة: وهم الذين شايعوا سيدنا علي رضي الله عنه، ثم المرجئة: وقيل في سبب تسميتهم بهذا الاسم إنهم قدموا القول وأَخَّروا العمل.
    وكان من الجدل الديني والسياسي الذي دار بين هذه الفرق- بالإضافة إلى فرق المعتماوالة التي ظهرت خلال النصف الأول من القرن الثاني للهجرة، وفرقة الأشعرية التي نشأت خلال القرن الثالث - من الجدل الذي دار بين هذه الفرق أن نشأ ميدان أساسي من ميادين الفكر الإسلامي، وهو الذي أطلق عليه فيما بعد "علم الكلام".
    وقد كان ظهور هذه الفرق وخاصة المعتماوالة عاملا له أهميته في ظهور ميدان جديد للفكر الإسلامي هو "ميدان الفلسفة" بمعناها الخاص أو التقليدي، والتي قد تسمى بالفلسفة المدرسية أو المشَّائية، وتتمثل في ذلك النتاج الفكري الذي خلفه لنا فلاسفة الإسلام مثل: الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن طفيل وابن باجة.
    وبالإضافة إلى دور الفرق الكلامية - لاسيما المعتماوالة - في التمهيد لنشأة هذا المجال من مجالات الفكر الإسلامي، أسهمت كذلك في نشأته حركة الترجمة التي نشطت بشكل مباشر في القرن الثاني الهجري على أيدي العباسيين، وبخاصة كبار خلفائهم الثلاثة الأُوَل: المنصور (158هـ)، والرشيد (193هـ)، والمأمون (218هـ). (انظر: إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية، ج2، ص77 ، 78 ، ومدخل إلى الفلسفة، العجمي والحجر، ص109، 110).
    فقد شرع المسلمون في ترجمة الكثير من كتب اليونان والفرس والهنود وغيرهم إلى العربية، وعلينا أن نوضح في هذا المقام أنه لا يقلل من قيمة الحضارة الإسلامية مطلقا أنها أقامت بنيانها في بعض المجالات - كالفلسفة والعلوم التجريبية أو العقلية على أسس غير إسلامية، من معارف السابقين ذميين كانوا أو وثنيين؛ ذلك أن ارتقاء الحضارة البشرية يقوم على مبدأ استفادة الخلف من جهود السلف، وبفضل ذلك ارتفع صرح الحضارة البرية طبقة بعد أخرى، ولو التزم كل جيل بأن يبدأ المسيرة الحضارية من نقطة الصفر، معرضا عما توصل إليه السابقون من إنجازات، لما نماوال الإنسان في القرن العشرين على سطح القمر، ولوجدنا أنفسنا اليوم نشعل النار عن طريق قدح حجرين بعضهما ببعض، أحلوة بما فعل الإنسان الأول، ولكن عظمة الحضارة الإسلامية تنبع من أن دورها لم يقتصر على النقل عن السابقين، وإنما تعدى ذلك إلى التصحيح والربط والتوفيق، ثم الابتكار والخلق والإبداع والإضافة.
    ثم إن بناة الحضارة الإسلامية لم يفعلوا كما فعل رجال الكنيسة والأديرة من إحراق كتب الوثنيين وهدم معابدهم ونبذ تراثهم، دون تفرقة بين الصالح منه وغير الصالح, وإنما احترم علماء المسلمين ما خلَّفه السابقون- وثنيين كانوا أو ذميين- من تراث، وأشادوا بعلمائهم واعترفوا بفضل أولي الفضل منهم، دون تعصب لدين أو لمذهب، ودون اعتبار لجنس أو ملة، فالعلم النافع في نظرهم يأتي فوق كافة الاعتبارات العقائدية أو العنصرية. (موقع: "إسلام ست").
    إذن ففي بيئتي الترجمة والمتكلمين نشأت المدرسة الفلسفية الإسلامية في القرن الثالث للهجرة، وكان الكندي (252هـ) أول فيلسوف عربي مسلم معتماواليا وفيلسوفا في آن واحد، كما كان له دوره البارز في حركة الترجمة.
    وقد شهد هذا القرن (القرن الثالث للهجرة) كذلك اكتمال ميدان آخر من ميادين الفكر الإسلامي هو ميدان "علم التصوف" الذي بدأ من القرن الأول الهجري، نتيجة عوامل معينة، ممثلاً في جماعة من المسلمين جدّوا في السير على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه سلم وصحابته من الزهد في الدنيا والعكوف على الطاعات والقربات.
    وهذا الاتجاه في الواقع لم يكن جديدًا على الحياة الإسلامية، وإنما برزت صورته بسبب ما جدّ على حياة المسلمين من ترف وثراء نتيجة لاتساع الدولة الإسلامية وغناها، وسعي الكثيرين منهم إلى التمتع بطيبات الحياة، بل ووقوع البعض أسرى لزينة الحياة الدنيا.
    وإذا كان التصوف قد اتسم بالبساطة وغلبة النزعة العملية لدى الحسن البصري وغيره من أوائل الصوفية، فإنه قد اتجه في القرن الثالث إلى بناء فلسفة روحية تتناول الكشف عن أحوال النفس من خوف ورجاء وحب وجد ونحوها، ويقوم على الذوق والعرفان طريقًا إلى المعرفة كما اتضح ذلك عند أمثال المحاسبي 242هـ وذي النون المصري 244هـ والبسطامي 260هـ وغيرهم، هذا ويضيف البعض إلى هذه الميادين ميدانًا آخر هو "أصول الفقه" الذي بدأ التدوين والتأليف فيه كعلم مستقل بذاته منذ عهد الإمام الشافعي (توفي سنة 204 هـ).
    ولم تكن هذه الظروف التي عرضنا لها بالإجمال هي وحدها التي فتحت الطريق لقيام فلسفة إسلامية، فقد كان القرآن الكريم قبل كل هذه العوامل سببًا رئيسيًا في توجيه المسلمين نحو بناء فكر فلسفي بالمعنى العام لهذه الكلمة، فالقرآن الكريم قد تناول قضايا تعتبرها الفلسفة من صميم موضوعاتها، فعرض قضية الألوهية في صورتها النهائية، وقدم الحقائق النهائية المتعلقة بالكون والإنسان والمبدأ والمصير والخلق من العدم.
    وباختصار فإن القرآن الكريم لم يترك موضوعًا مما شغل به الفكر الإنساني عبر تاريخه الطويل إلا وقد أوضح كل ما يتصل به من حقائق، بالإضافة إلى ما قرره من قواعد لحياة الناس الدينية والأخلاقية.
    ففضلاً عن حثه المسلمين على النظر والتدبر في ملكوت السموات والأرض، فقد احتفى القرآن الكريم بالعقل وكرم من يُعمِلُونه في طلب الحق وذم من يعطلونه ولا ينتفعون به، واعتبرهم (كالأنعام بل هم أضل..)، والإعلاء من شأن العقل ـ إلى جانب الحواس ـ كوسيلة لا غنى عنها للمعرفة كل ذلك أحدث أثره في توجيه المسلمين نحو بناء فلسفة إسلامية بالمعنى العام لكلمة فلسفة.
    وهكذا نشأ الفكر الفلسفي منطلقًا أصلاً من القرآن الكريم والسنة النبوية، ومتأثرًا بما تعرض له المسلمون الأوائل من خلافات سياسية نتجت عنها انقسامات دينية فَرَّخت طوائف الشيعة والخوارج والمرجئة ثم المعتماوالة والأشاعرة على نحو ما أوضحنا من قبل، هذا ولم يكن العامل الخارجي المتمثل في (ترجمة علوم الأوائل( غائبًا عن ميدان التأثير في نشأة هذا الفكر، وانطلاقًا من هذه العوامل اكتمل البناء الفكري، وتحددت معالمه وخصائصه، واتضحت ميادينه.
    (انظر: إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية، ج2، ص77 ، 78 ، ومصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة الإسلامية، ص47، وعلي النشار، نشأة التفكير الفلسفي في الإسلام، ج1، ص6 وما بعدها، ومدخل إلى الفلسفة، العجمي والحجر، ص109- 112).



    تطور الفلسفة الإسلامية وأهم ميادينها لم يقتصر دور علماء المسلمين على الإفادة من جهود غيرهم، ونقل مؤلفات السابقين إلى لغتهم، وإنما يأتي إسهامهم العظيم في ميدان الحضارة في تفنيد ما في هذه الكتب والمؤلفات من معلومات، وتصحيح ما فيها من أخطاء، والربط بين ما جاء في أطرافها من معارف متناثرة وشذرات متباعدة ، وشرح تفسير ما قد يكون غامضا منها.. ثم إضافة الجديد من المعلومات التي توصل إليها علماء المسلمين ولم يعرفها غيرهم من السابقين، وبذلك نجح علماء المسلمين في إقامة بناء حضاري لا يمكن أن يوصف إلا بأنه بناء إسلامي، كانت هذه أهم ميادينه: (موقع: "إسلام ست" بتصرف).
    1) الفلسفة:
    الفلسفة بمعناها التقليدي أو المشَّائي -إن صح هذا التعبير- هي أشهر ميادين الفكر الإسلامي تعرضًا للبحوث والدراسات المتنوعة في العصر الحديث، ولا شك أن فرسان هذا الميدان سواء في المشرق العربي أو المغرب والأندلس قد وجهوا جانبًا من عنايتهم للفلسفة اليونانية، وعبروا عن إعجابهم الشديد بها، لكنهم مع ذلك لم يكونوا ـ كما حاول بعض المستشرقين تصويرهم ـ مجرد حفظة للتراث اليوناني، أو قنطرة عبر عليها هذا التراث من اليونانية القديمة إلى أوروبا في العصور الوسطى وما أعقبها من عصور.
    ومن يقف على تراث الكندي أو الفاربي أو ابن سينا أو ابن رشد مثلاً فإنه سوف يكتشف أن هؤلاء الفلاسفة ـ حتى في شروحهم وتلخيصاتهم للفلسفة اليونانية كان لهم ابتكارتهم التي تكشف عن أصالتهم، وذلك أمر لم يعد يحتمل الإنكار إلا أن يكون ممن تأصلت فيهم نزعة التعصب المقيت والبغض لكل ما هو شرقي أو إسلامي.
    ولعل من أبرز مظاهر الأصالة في فلاسفة هذا الميدان ما يتجلى في نتاج محاولاتهم التوفيق بين الفلسفة والدين، أو بين العقل والوحي، وهي المحاولات التي سبقتها جهود أخرى للتوفيق بين أفلاطون ذي النزعة المثالية الصوفية - كما فهموه - وبين أرسطو صاحب الاتجاه العقلي. (حامد طاهر، مدخل لدراسة الفلسفة الإسلامية، ص21).
    2) علم الكلام:
    إذا كان الميدان السابق قد بدأ فيه الاستلهام الواعي للفكر اليوناني، إلى جانب الركيزة الإسلامية التي انطلق منها، فإن هذا الميدان قد خلف لنا تراثًا يعتبر نتاجًا إسلاميًا خالصًا، فمباحثه الرئيسية قد اكتملت قبل أن تنقل إلى المحيط الإسلامي فلسفة اليونان ومعارفهم، ويعتبر علم الكلام أو التوحيد أو علم أصول الدين فوق أنه الممثل الحقيقي للتفكير الفلسفي الإسلامي الخالص الذي أنتجته قرائح المسلمين أنفسهم قبل أن يتصلوا بالفلسفة اليونانية يعتبر هذا العلم فوق ذلك أغنى الميادين وأغزرها مادة. (إبراهيم مدكور، في الفلسفة الإسلامية، ج2، صCool.
    وقد خلف علماء هذا الميدان من مختلف الفرق ـ المعتماوالة، والأشاعرة، والسلفية والشيعة والخوارج والمرجئة.. خلفوا تراثًا ينطوي على نظريات دقيقة ومذاهب محكمة تعتبر في صميم البحث الفلسفي، الأمر الذي اضطر معه الفيلسوف (أرنست رينان) - وهو المشهور بعدائه للمسلمين عمومًا - إلى الاعتراف بأن الحركة الفلسفية الحقيقية في الإسلام ينبغي أن تلتمس في مذاهب المتكلمين. (مصطفى عبد الرازق، تمهيد لتاريخ الفلسفة، ص12).
    ويرتبط بهذا الميدان مجالان، أحدهما قريب الصلة به وهو (مقالات الفرق الدينية)، وثانيهما هو: (مقارنة الأديان) الذي يعني في المقام الأول لدى المسلمين بالدفاع عن الدين الإسلامي في مواجهة أصحاب الأديان الأخرى الذين هاجموه, أو حاولوا الطعن فيه. (حامد طاهر، مدخل لدراسة الفلسفة، ص24، 25).
    3) ميدان التصوف:
    بدأ هذا الميدان منذ القرن الأول الهجري ـ كما وضحت سابقًا ـ ومَرَّ بمراحل عدة لكل منها أعلامها، حتى جاء القرن السادس الهجري وما بعده وقد أخذ التصوف وجهة فلسفية واضحة، وظهر فلاسفة متصوفة كالسهروردي وابن سبعين وابن عربي، ممن أعلنوا نظريتهم في وحدة الوجود، وفيها سووا بين الحق والخلق، ولم يفرقوا بينهما إلا بحسب الجهة، كما يتضح ذلك - مثلاً ـ في كتاب (الفتوحات المكية) لابن عربي، هذا مع استمرار تيار التصوف الاتباعي أو السني مع هذا الاتجاه الأخير. (انظر: مدخل إلى الفلسفة، ص120).
    4) أصول الفقه:
    علم أصول الفقه هو ذلك العلم الذي يبحث في الأدلة الشرعية وهي الكتاب والسنة والإجماع، ويبين مراتب هذه الأدلة وشرائط الاستدلال بها، وكيفية معارضتها وترجيحها، ووجوه دلالتها على الأحكام، ويمثل هذا العلم منهجًا من مناهج البحث في التشريع الإسلامي، ويفسح المجال لعمل العقل واجتهاده في ضوء النصوص الشرعية، ومن أول رجاله وأشهرهم الإمام الشافعي الذي صنف فيه رسالته المشهورة، ثم تتابعت التصانيف فيه بعد ذلك.
    وتكشف لنا طبيعة هذا العلم عن حقيقة مهمة: هي أنه يحمل الخصائص المعيارية التي تجعله بالنسبة للتشريع بمثابة المنطق بالنسبة للفلسفة، فهو تقنين عام يراعي أصول الاستدلال الاستنباطي والاستقرائي.
    ويعتبر أول من نادى بضم هذا الميدان من ميادين الدراسات الإسلامية إلى الفلسفة هو الشيخ مصطفى عبد الرازق.
    5) الأخلاق الإسلامية:
    علم الأخلاق هو العلم الذي يبحث عن الأسس أو المعايير التي تجعلنا نحكم على فعل من الأفعال بأنه خير أو شر، فهو يعني ببيان أساس الإلزام الأخلاقي ومصدره، وما يستتبع ذلك مما يترتب على الفعل من مسئولية أخلاقية.
    وقد كان في التراث الصوفي بناءٌ أخلاقيٌّ إسلاميٌّ أصيلٌ يمكن الوقوف عليه لدى أمثال المحاسبي والجنيّد وذي النون المصري وبشر بن الحارث وسهل التستري والغزالي، وغيرهم ممن لا يحصي عددهم.
    وبالإضافة إلى هذه الميادين السابقة كان هناك أيضًا ميادين أخرى للفلسفة الإسلامية ولكن أقل شهرة باستثناء المنطق الذي يعد علما يونانيا، وكان منها: فلسفة التاريخ، مجال تصنيف العلوم، ومناهج البحث. (انظر: مدخل إلى الفلسفة ص113 وما بعدها)
    avatar
    موسى

    البلد : تقرت، ورقلة - الجزائر
    عدد المساهمات : 29
    نقاط : 37
    تاريخ التسجيل : 22/06/2011
    العمر : 27

    رد: مقياس : مدخل الى الفلسفة

    مُساهمة من طرف موسى في الأربعاء أكتوبر 17, 2012 7:39 pm

    أبرز فلاسفة المسلمين كان من جملة المتأخرين من فلاسفة الإسلام: يعقوب بن إسحق الكندي، وحنين بن إسحاق، ويحيى النحوي، وأبي الفرج المفسر، وأبي سليمان السجزي، وأبي سليمان محمد بن معشر المقدسي، وأبي بكر ثابت بن قرة الحراني، وأبي تمام يوسف بن محمد النيسابوري، وأبي زيد بن سهل البلخي، وأبي محارب الحسن بن سهل بن محارب القمي، وأحمد بن الطيب السرخسي، وطلحة بن محمد النسفي، وأبي حامد أحمد بن محمد الاسفرايني، و عيسى بن علي بن عيسى الوزير، و أبي علي أحمد بن محمد بن مسكويه، وأبي زكريا يحيى بن عدي الصيمري، وأبي الحسن محمد بن يوسف العامري، وأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي، وغيرهم. (الملل والنحل، ج2 ، ص157).
    وسنتعرض ببعض التفصيل لأبرز وأشهر فلاسفة المسلمين كالتالي:
    1) الكندي:
    نسبه: هو أبو يوسف ، يعقوب بن إسحاق بن الصباح بن عمران بن إسماعيل بن محمد بن الأشعث الكندي، ينتهي نسبه إلى ملوك كندة, فهو عربي الأصل، ولد بالكوفة سنة 185 هـ/801م وكان أبوه إسحاق بن الصباح أميرا عليها للمهدي والرشيد.
    نشأته: كانت الكوفة مدرسة الكندي الأولى، فقد مات أبوه وهو طفلٌ صغيرٌ، فلم يستمتع بالعزِّ الذي كان عليه أجدادُه، لاسيما وقد هاجر معظم بني الأشعث وتشتتوا في البلاد، ولكن أُمَّه الواعية الحصيفة لم تشأ أن يضيع ابنها مع ما ضاع من أُبَّهةٍ ومجدٍ، فرأت أن العلم خير لهذا الفتى من ترف الحُكْم وعزِّ السياسة، فدفعته إلى تعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن الكريم وتعلم الحديث الشريف وأصول الفقه ومبادئ النحو، ومهدت له الطريق إلى قراءة الشعر العربي وإتقان لغة العرب لمعرفة أسرار البلاغة وأسباب الفصاحة.
    من آثار الكندي:
    لقد استحق الكندي عن جدارة ومقدرة لقب: "فيلسوف العرب" اعتماداً على كتابه القيِّم (في الفلسفة الأولى) الذي أهداه إلى الخليفة المعتصم، وفي هذا الكتاب نجد عمق آرائه الفلسفية التي عالجت مختلف شؤون المعرفة، وقد وصفه بعض المستشرقين بقولهم: يعد الكندي واحدا من اثنتي عشرة شخصية تمثل قمة الفكر الإنساني، ذلك بسبب ذهاب الكندي للقول بنسبية الحواس، آمن الكندي بجدوى الفلسفة وضرورة التفكير في وقت كان علماء الشريعة يخشون أن تتعارض هذه الفلسفة مع العقيدة، وتناقض مبادئ الدين الحنيف، فسعى سعيه إلى التوفيق بين الدين والفلسفة، ونفي تهمة الكفر والإلحاد عن الفلاسفة؛ إذ كان يرى أن موضوع الفلسفة هو معرفة الله ووحدانيته، ومعرفة الفضائل النافعة لاتِّباعها، والرذائل الضارة لاجتنابها، وهذا هو عينه موضوع الدين وجوهره الحقيقي.
    وكذلك اهتم الكندي بالرياضيات وذهب فيها مذهب أفلاطون فقال: إن الفلسفة لا تفهم إلا بالرياضيات, والرياضيات تكون بالبراهين لا بالاقتناع الشخصي ولا بالظن, وأخذ من أرسطو التفريق بين العقل الفعال وهو إلهي, والعقل المنفعل وهو إنساني, ولا يتخطى القدرة على التفكير.
    واشتغل أيضا بالفلك وقال بفساد التنجيم, فله كتاب في علم الفلك وكتاب في سير الكواكب، ومسائل أخرى كان اليونانيون قد بذلوا الجهد في إيجاد حلول لها، كما وضع كتبا في الفلسفة والطب والأدوية منها كتاب (الأدوية المركبة).
    وللكندي -أيضاً- آثار جغرافية, منها رسالته في البحار وفي المد والجزر, وله رسالة في أن سطح البحر كروي محدب كسطح اليابسة ورسم المعمور من الأرض.
    وفي الكيمياء: ‌كان يرى أن طبائع المعادن لا يستحيل بعضها إلى بعض, وقد ألف رسالة في بطلان دعوى المدعين صنعة الذهب والفضة وخداعهم, ثم رسالة في التنبيه على خداع الكيميائيين, وله عدة رسائل تدل على اهتمامه بعلم الكيمياء, وله رسالة في العطر وأنواعه, ورسالة فيما يصبغ ويعطي لونا آخر, ورسالة فيما يطرح على الحديد والسيوف حتى لا تنثلم ولا تكل.
    وفي الميكانيكا: أعطى الكندي الكثير من وقته لعلم الحيل المعروف الآن بعلم (الميكانيكا)، فكان العلماء يعتمدون على نظرياته عند القيام بأعمال البناء, كما حدث عند حفر الأقنية بين نهري دجلة والفرات في العراق.
    وكان الكندي من أوائل المؤلفين في الموسيقى؛ إذ يعتقد أن بعض النغمات الموسيقية تقبض النفس وبعضها يبسطها, لذا فقد كتب أكثر من سبع رسائل في الموسيقى وتصوير النغمات و أثرها على المصابين بالأمراض النفسية، ومن أشهر كتبه في مجال الموسيقى كتاب (المدخل إلى الموسيقى) وكتاب (ترتيب الأنغام) وكتاب (رسالة إلى الإيقاع).
    ترجماته:
    كان يلقب بفيلسوف العرب؛ فقد خلف وراءه مجموعة من المصنفات تبلغ مائتين وأربعين مصنفاً بين كتاب و رسالة, عهد إليه المأمون بترجمة مؤلفات أرسطو فكان له كتاب (إلهيات أرسطو)، وغيره من فلاسفة اليونان، كما درس ما نُقِل من كتب أبقراط وجالينوس في علوم الطب، ثم درس هندسة إقليدس، وهكذا كان للكندي فضل كبير في في ترجمة العلوم من اللغة اليونانية، وجعلها ميسرة أمام القارئ العربي، بعد أن أخضع هذه الترجمات إلى الذوق العربي ومقتضى التفكير الشرقي، ملبساً إياها ثوباً من العبارات الفصيحة والتراكيب المبسطة، وفهم أبعاده ومراميه، ووفّق بين الصياغة اليونانية والصياغة العربية، إلا أن الكندي كثيراً ما كان يغني هذه الترجمات بالشرح والتفسير، غير أنه لقي عنتا من المتوكل, فقد وشى به حساده واتهموه بالأخذ بمذهب المعتماوالة, فأمر المتوكل بضربه ومصادرة كتبه, ثم تبين له الحق؛ فرضي عنه ووصله وردَّ إليه كتبه.
    وكان مولده بواسط يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من شهر رمضان, وتوفي أبو معشر وقد جاوز المائة سنة. (موقع الكندي للدراسات، وموقع الفلسفة الإسلامية).
    2) الفارابي:
    كان الفارابي فيلسوفاً ورياضياً فذاً ذائع الصيت، وهو محمد بن محمد بن طرخان بن أوماوالغ، أبو نصر الفارابي، ويعرف بالمعلم الثاني لدراسته كتب أرسطو (المعلم الأول) وشرحه لها، ويعرف الفارابي في اللاتينية باسم Alpharabius. ، ولد في مدينة "فاراب" في تركستان حيث كان والده تركياً من قواد الجيش.
    ويقول الدكتور علي عبد الواحد وافي : إنه لا يُعرَف شيء يقيني عن طفولة الفارابي الأولى أو مراحل حياته التالية، وكل ما يعرف عنه أنه درس في مسقط رأسه مجموعة من المواد المختلفة كالعلوم، والرياضيات، والآداب، والفلسفة، واللغات خاصة التركية، والفارسية، واليونانية، والعربية، وفي سن متقدمة غادر مسقط رأسه وذهب إلى العراق لمتابعة دراساته العليا؛ فدرس الفلسفة، والمنطق، والطب على يد الطبيب المسيحي يوحنا بن حيلان، كما درس العلوم اللسانية العربية والموسيقي، ومن العراق انتقل إلى مصر والشام، حيث التحق بقصر سيف الدولة في حلب واحتل مكانة بارزة بين العلماء، والأدباء، والفلاسفة، وبعد حياة حافلة بالعطاء في شتى علوم المعرفة طوال ثمانين سنة، توفي الفارابي أعرب، بمدينة دمشق سنة 339هـ/950م.
    إسهاماته العلمية:
    يعدّ الفارابي (339-257هـ/950-870م) أكبر فلاسفة المسلمين، وقد أطلق عليه معاصروه لقب: "المعلم الثاني" لاهتمامه الكبير بمؤلفات أرسطو "المعلم الأول"، وتفسيرها، وإضافة الحواشي والتعليقات عليها، ومن خصائص فلسفة الفارابي أنه حاول التوفيق من جهة، بين فلسفة أرسطو وفلسفة أفلاطون، ومن جهة أخرى بين الدين والفلسفة، كما أنه أدخل مذهب الفيض في الفلسفة الإسلامية ووضع بدايات التصوف الفلسفي.
    ورغم شهرة الفارابي في الفلسفة والمنطق، فقد كانت له إسهامات مهمة في علوم أخرى كالرياضيات والطب والفيزياء، فقد برهن في الفيزياء على وجود الفراغ، وتتجلى أهم إسهاماته العلمية في كتابه "إحصاء العلوم" الذي وضع فيه المبادئ الأساس للعلوم وتصنيفها؛ حيث صنف العلوم إلى مجموعات وفروع، وبين مواضيع كل فرع وفوائده.
    وبجانب إسهامات الفارابي في الفلسفة، فقد برز في الموسيقى، وكانت رسالته فيها النواة الأولى لفكرة اللوغارتم حسب ما جاء في كتاب "تراث الإسلام"، حيث يقول كارا دي فو Carra de Vaux : أما الفارابي الأستاذ الثاني بعد أرسطو وأحد أساطين الأفلاطونية الحديثة ذو العقلية التي وعت فلسفة الأقدمين، فقد كتب رسالة جليلة في الموسيقى وهو الفن الذي برز فيه، نجد فيها أول جرثومة لفكرة النسب (اللوغارتم)، ومنها نعرف علاقة الرياضيات بالموسيقى، وتؤكد زجفريد هونكه الفكرة نفسها حين تقول: إن اهتمام الفارابي بالموسيقى ومبادئ النغم والإيقاع قد قربه قاب قوسين أو أدنى من علم اللوغارتم الذي يكمن بصورة مصغرة في كتابه عناصر فن الموسيقى.
    مؤلفاته:
    كان من أهم كتب الفارابي في الفلسفة والمنطق وأشهرها:
    "آراء أهل المدينة الفاضلة" ـ "الجمع بين رأي الحكيمين أفلاطون الإلهي وأرسطوطاليس"، وهو كتاب يوفق فيه الفارابي بين آراء أفلاطون وأرسطو، وكان من بين أهم الشروح والكتب التي ألفها في العلوم الأخرى ما يلي:
    شرح كتاب "المجسطي" في علم الهيئة لبطليموس ـ شرح المقالتين الأولى والخامسة من كتاب إقليدس في الهندسة ـ كتاب في المدخل إلى الهندسة الوهمية ـ كلام في حركة الفلك ـ مقالة في صناعة الكيمياء ـ كتاب إحصاء العلوم: قسم الفارابي في هذا الكتاب العلوم إلى ثماني مجموعات، ثم ذكر فروع كل مجموعة وموضوع كل فرع منها وأغراضه وفوائده، وترجمه جيرار الكريموني إلى اللاتينية، كتاب صناعة علم الموسيقى: شرح فيه الفارابي مبادئ النغم والإيقاع.
    وأكثر الكتب التي ألفها الفارابي، إما أنها فقدت أو أنها لا تزال في الخزائن والمكتبات، والمعروف منها إلى الآن قليل إذا قيس بمجموع ما كتبه في شتى العلوم والفنون. (موقع: "الإيسيسكو").
    3) ابن سينا:
    الشيخ الرئيس .. المعلم الثالث.. عاش ابن سينا في أواخر القرن الرابع الهجري وبدايات القرن الخامس من الهجرة، وقد نشأ في أوربكستان، حيث ولد في "أفشنة" إحدى قرى "بخارى" في شهر صفر (370 هـ= أغسطس 980م).
    وحرص أبو عبد الله بن سينا على تنشئته تنشئة علمية ودينية منذ صغره، فحفظ القرآن ودرس شيئا من علوم عصره، حتى إذا بلغ العشرين من عمره توفي والده، فرحل أبو علي الحسين بن سينا إلى جرجان، وأقام بها مدة، وألف كتابه "القانون في الطب"، ولكنه ما لبث أن رحل إلى "همذان" فحقق شهرة كبيرة، وصار وزيرا للأمير "شمس الدين البويهي"، إلا أنه لم يطل به المقام بها؛ إذ رحل إلى "أصفهان" وحظي برعاية أميرها "علاء الدولة"، وظل بها حتى خرج مع الأمير علاء الدولة في إحدى حملاته إلى همذان؛ حيث وافته المنية بها في رمضان (428 هـ= يونيو 1037م).
    وكان ابن سينا عالما وفيلسوفا وطبيبا وشاعرا، ولُقِّب بالشيخ الرئيس والمعلم الثالث بعد أرسطو والفارابي، كما عُرِف بأمير الأطباء وأرسطو الإسلام، وكان سابقا لعصره في مجالات فكرية عديدة، ولم يصرفه اشتغاله بالعلم عن المشاركة في الحياة العامة في عصره؛ فقد تعايش مع مشكلات مجتمعه، وتفاعل مع ما يموج به من اتجاهات فكرية، وشارك في صنع نهضته العلمية والحضارية.
    وكان لذلك كله أبلغ الأثر في إضفاء المسحة العقلية على آرائه ونظرياته، وقد انعكس ذلك أيضا على أفكاره وآثاره ومؤلفاته، فلم يكن ابن سينا يتقيد بكل ما وصل إليه ممن سبقوه من نظريات، وإنما كان ينظر إليها ناقدا ومحللا، ويعرضها على مرآة عقله وتفكيره، فما وافق تفكيره وقبله عقله أخذه وزاد عليه ما توصل إليه واكتسبه بأبحاثه وخبراته ومشاهداته، وكان يقول: إن الفلاسفة يخطئون ويصيبون كسائر الناس، وهم ليسوا معصومين عن الخطأ والماوالل.
    ولذلك فقد حارب التنجيم وبعض الأفكار السائدة في عصره في بعض نواحي الكيمياء، وخالف معاصريه ومن تقدموا عليه، الذين قالوا بإمكان تحويل بعض الفلزات الخسيسة إلى الذهب والفضة، فنفى إمكان حدوث ذلك التحويل في جوهر الفلزات، وإنما هو تغيير ظاهري في شكل الفلز وصورته، وفسّر ذلك بأن لكل عنصر منها تركيبه الخاص الذي لا يمكن تغييره بطرق التحويل المعروفة.
    وقد أثارت شهرة ابن سينا ومكانته العلمية حسد بعض معاصريه وغيرتهم منه، ووجدوا في نزعته العقلية وآرائه الجديدة في الطب والعلوم والفلسفة مدخلا للطعن عليه واتهامه بالإلحاد والزندقة، ولكنه كان يرد عليهم بقوله: "إيماني بالله لا يتزعزع؛ فلو كنت كافرا فليس ثمة مسلم حقيقي واحد على ظهر الأرض".
    (موقع: "إسلام أون لاين").
    avatar
    حميد

    البلد : الجزائر
    عدد المساهمات : 102
    نقاط : 158
    تاريخ التسجيل : 30/05/2011
    العمر : 28

    رد: مقياس : مدخل الى الفلسفة

    مُساهمة من طرف حميد في الأربعاء أكتوبر 17, 2012 7:41 pm

    دور الفلاسفة المسلمين في الحضارة الغربية لعل أهم ما يبرز دور الفلاسفة المسلمين في الحضارة الغربية قول (بريفولت) المؤرخ المشهور للعلم- والفضل ما شهد به الأعداء- إذ يؤكد (بريفولت) على الفارق الكبير بين طبيعة الحضارة اليونانية التي كانت في عمومها نظرية تجريدية، وبين أثر هذه الأخيرة على أوروبا وعلى الإنسانية عامة.
    يوضح ذلك فيقول: "إن ما يدين به علمنا للعرب ليس فيما قدموه إلينا من كشوف مدهشة لنظريات مبتكرة، بل يدين لهم بوجوده نفسه، فالعالم القديم ـ كما رأينا ـ لم يكن للعلم فيه وجود.. وقد نظم اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات، ولكن أساليب البحث في دأب وأناة، وجمع المعلومات الإيجابية وتركيزها، والمناهج التفصيلية للعلم، والملاحظة الدقيقة المستمرة، والبحث التجريبي، كل ذلك كان غريبًا تمامًا عن المزاج اليوناني، أما ما ندعوه "العلم" فقد ظهر في أوروبا نتيجة لروح من البحث جديدة، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة..، وهذه الروح وتلك المناهج أوصلها العرب إلى العالم الأوروبي..". (بريفولت، بناء الإنسانية، فصول ترجمها عن هذا الكتاب إلى العربية السيد أبو النصر الحسيني تحت عنوان: أثر الثقافة الإسلامية في تكوين الإنسانية، ط دار الطب الحديثة بمصر، سنة 1337هـ ، ص71، نقلاً عن مدخل إلى الفلسفة، ص130).
    ويؤكد (كارا دفو) رأي سارتون المعظم لإسهام العرب في التطور، وهو يقر بأنهم المعلمون الكبار في العلم، إنه يقول بأن هؤلاء المعلمين كانوا أمناء على التراث اليوناني والروماني، وأن أمانتهم تتجلى في ثلاث ظواهر بارزة: إتقانهم لجوهر هذا التراث، وتحسينه بالتصويب والتنمية، وتسليمه للعصور الحديثة. (عمر فاروق الطباع، ابن خلدون، ص13).
    وقد كان من تأثير ابن سينا وحده في الفلسفة المسيحية قول "جورج ساتون" : "إن ابن سينا ظاهرة فكرية عظيمة، ربما لا نجد من يساويه في ذكائه أو نشاطه الإنتاجي.. إن فكر ابن سينا يمثل المثل الأعلى للفلسفة في القرون الوسطى"..
    وكذلك يقول (دي بور): "كان ابن سينا في الفلسفة المسيحية في العصور الوسطى عظيم الشأن، واعتبر في المقام كأرسطو..".
    ويقول أيضًا (أوبرفيل): "إن ابن سينا اشتهر في العصور الوسطى وتردد اسمه على كل شفة ولسان، ولقد كانت قيمته قيمة مفكر ملأ عصره.. وكان من كبار عظماء الإسانية على الإطلاق..". (موقع إسلام أون لاين).
    وقد كان أكبر المتأثرين بالفلسفة الإسلامية القديس توما الإكويني أكبر الفلاسفة الأوروبيين في القرن الثالث عشر؛ إذ كانت آثار الفلسفة العربية عنده أعمق وأنضج وإن كانت أخفى في الظاهر، لأنه لم يكن يذكر مصادره بشكل مباشر واضح.
    وأول شئ يتجلى فيه تأثير الفلاسفة العرب المسلمين في القديس توما الإكويني هو البراهين التي أوردها لإثبات وجود الله بطريق العقل، لقد أخذ من الفارابي برهانه كما ورد في (آراء أهل المدينة الفاضلة)، وأخذ عن ابن سينا براهينه كما هي في كتابيه (النجاة و(الشفاء)، ومن الثابت بيقين كما يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي أن توما قد قرأ الفارابي وابن سينا؛ لأنه يشير إلى مؤلفاته صراحة، ويذكر كتابي ابن رشد (فصل المقال وتقرير ما بين الشريعة والحكمة من الاتصال)، و(الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة).
    وهذا يفضي بنا إلى التحدث عن تأثير هذا الفيلسوف العربي المسلم العظيم (ابن رشد)، وهو تأثير لا يجاريه فيه أي فيلسوف عربي آخر؛ لأننا لا نستطيع أن نتحدث مثلاً عن (فارابية) أو (سيناوية) لاتينية، ولكننا نجد مقابل ذلك (رشدية) لاتينية قوية جدًا، توافر لها أنصار في أوروبا وأتباع أكثر من قرنين من الزمان.
    وقد بدأت حركة الرشدية اللاتينية، أي أتباع بن رشد من الأوروبيين، منذ أن ترجم ميخائيل اسكوت شروح ابن رشد على مؤلفات أرسطو، في الفترة الواقعة بين سنة 1228 وسنة 1235م، حينما كان فلكيًا في بلاط فريديريك الثاني في باليرمو بصقلية، وتزعم سيجر البرابنتي (1235 -1281)م الحركة الرشدية، ورأى فيها الحقيقة العلمية الفلسفية، واحتل مكانة سامية رفيعة في جامعة باريز، فاستصدرت الكنيسة حكمًا بطرده من تلك الجامعة، ولكن ذلك لم يبدل رأيه، ولم يخفف من نشاطه، إلا أنه قتل غيلة.
    وعلى الرغم مما لقيته الرشدية اللاتينية من هجوم واضطهاد من جانب السلطات الكنسية في أواخر القرن الثالث عشر، فإنها استمرت تنمو وتنتشر وتكسب الأنصار طوال القرن الرابع عشر، فنجد جان دي جاندان المتوفي 1328م يخلص كل الإخلاص لمذهب ابن رشد، واستمر تأثير ابن رشد في نمو مطرد في الأوساط الفلسفية حتى القرن السابع عشر، حتى إن روفائيل في لوحته الشهيرة (مدرسة أثينا) رسم ابن رشد واضحًا في اللوحة بعمامة بيضاء.
    إن المذاهب الفلسفية الرئيسية، والتيارات الكبرى في الفكر الفلسفي الأوربي في القرون الثالث عشر حتى السادس عشر، تدين بوجودها وآرائها الجديدة الأصيلة للفلاسفة العرب المسلمين.
    ولقد كانت صرخة مدوية ومفاجأة هائلة أذهلت الناس، عندما وقف المستشرق الأسباني (أسين بلاثيوس) وهو يلقي خطاب استقباله في الأكاديمية الملكية الإسبانية في جلسة 26 كانون الثاني 1919م، لما أعلن أن دانتي في (الكوميديا الإلهية) قد تأثر بالإسلام تأثرًا عميقًا واسع المدى، يتغلغل حتى في تفاصيل تصويره للجحيم والجنة؛ إذ تبين للمستشرق الأسباني (أسين بلاثيوس) أن ثمة متشابهات وثيقة بين ما ورد في بعض الكتب الإسلامية عن معراج النبي صلى الله عليه وسلم وما في (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، وبعض كتب الشيخ محي الدين بن عربي.
    وراح (أسين بلاثيوس) يعدد نقاط التشابه والاقتباس هذه، استنادًا إلى المصادر الإسلامية، مقارنًا إياها بما ورد في الكوميديا الإلهية، وكل ذلك بعلم غزير، ومنهج علمي دقيق.
    وقد قوبل هذا الرأي بهجوم شديد من الباحثين الإيطاليين الذي عز عليهم أن يُفجَعوا في عَلَمِهم الأكبر ومناط فخارهم، وقام (أسين بلاثيوس) بالرد على هؤلاء جميعًا مقنعًا مفحمًا في كتاب نشره في مدريد بعنوان (الأخرويات الإسلامية في الكوميديا الإلهية) وفي ست مئة وتسع صفحات من القطع الكبير.
    وما هي إلا سنوات حتى قدم الباحث الإيطالي (أنريكو أتشرولي) عام 1949م الترجمتين اللاتينية والفرنسية لكتاب عربي في (المعراج) كان قد ترجم من العربية في أوائل القرن الثالث عشر، ومنه نسختان حاليًا في مكتبة بولدي بأكسفورد، والثانية في المكتبة الأهلية بباريز.
    هذا ولقد تركت مؤلفات أبي حامد الغزالي أثرها في أوربا، وكان لكتابه (مشكاة الأنوار) مكانة خاصة، وكان للفارابي أيضا أثره في اتجاه التفكير الأوربي، يقول (جورج سارتون) في (تاريخ العلم): "إن الجانب الأكبر من مهام الفكر الإنساني اضطلع به المسلمون، فالفارابي أعظم الفلاسفة.. "، وقد نقلت كتبه إلى اللاتينية وطبعت جملة واحدة في باريز عام 1638م، وكان من فلاسفة أوربا الذين تأثروا بفلسفة الفارابي الراهب (فنسان دو بوفيه) المتوفي 1264م، والذي ضم أجزاء من فلسفة الفارابي برمتها إلى كتابه. (انظر: دور الحضارة العربية الإسلامية في النهضة الأوربية، هاني المبارك، شوقي أبو خليل، ص40 وما بعدها).
    آراء بعض المنصفين من الغربيين:
    رغم ما وصف به فلاسفة المسلمين من قِبل بعض الباحثين غربيين وشرقيين من أن فكرهم كان محاكاة وتقليدًا تامًا لفلسفة اليونان، فقد وجد من الباحثين في الشرق والغرب
    أيضًا من يعترف بفضلهم وينصفهم ويثبت أصالتهم.
    فهذا (كاردانو) يصف الكندي أول فيلسوف عربي مسلم بقوله:
    " كان واحدًا من الاثنى عشر عبقريًا الذين هم من الطراز الأول في الذكاء في العالم كله" (انظر: قدري حافظ طوقان، تراث العرب العلمي ص27، والدكتورة فوقية محمود، مقالات في أصالة المفكر المسلم، ص49 وما بعدها).
    وهذا (سارتون) أشهر مؤرخي العلم، يقول عن ابن سينا:
    "يعتبر ابن سينا من أعظم علماء الإسلام، ومن أشهر مشاهير العلماء العالميين". (المصدر السابق، ص322، 324).
    وقد استنكر الدكتور (سارتون) موقف إخوانه الغربيين الذين أرادوا أن يسلبوا عن مفكري الإسلام صفة الأصالة فيقول: "إن بعض الغربيين الذين يجربون أن يستخفوا بما أسداه الشرق إلى العمران يصرحون بأن العرب والمسلمين نقلوا العلوم القديمة ولم يضيفوا إليها شيئًا ما.. هذا الرأي خطأ "..
    وهو يقرر أن العرب كانوا أعظم معلمين في العالم في القرون الثلاثة، الثامن والحادي عشر والثاني عشر. (المصدر السابق ـ ص26).
    والعرب باعتراف (وايد مان) أكبّوا على التراث اليوناني ونظرياته، فأدركوا جوهرها وسبروا غورها وأفادوا منها، لكنهم لم يقفوا عند حدودها بل استحدثوا الجديد من النظريات واستنبطوا الكثير من الحقائق، ولم تكن هذه المعطيات والجهود أقل شأنًا من مكتشفات فاراداي ونيوتن ورنتيجن.
    (انظر: عمر فاروق الطباع، ابن خلدون ص13، 14).



    من فلاسفة المسلمين في العصر الحديث 1) عبد الرحمن بدوي:

    قال عنه عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين في مجلة الكاتب المصري قبل أكثر من قرن من الزمان ما نصه: "يوجد في مصر شاب أشعر بضآلتي إذا ما قورن اسمي باسمه، ذلكم هو عبد الرحمن بدوي"، مشيرًا إليه بأنه أول فيلسوف مصري، وكان طه حسين عضوًا بلجنة المناقشة التي منحت الدكتور بدوي - وهو في سن الثامنة والعشرين - درجة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى على رسالته بعنوان "الزمان الوجودي" التي صاغ فيها مذهبا فلسفيا لم يسبقه إليه أحد؛ حيث فسَّر الوجود على أساس الزمان في نسق منطقي أشبه بالنسق الرياضي.
    كان بدوي يجيد إحدى عشرة لغةً فقها وأدبا، منها: الفرنسية والألمانية والإنجليزية واللاتينية واليونانية، ومن علامات نبوغه وعبقريته المبكرة أنه وقت أن كان طالبا بقسم الفلسفة بكلية آداب جامعة فؤاد الأول.. أثرى المكتبة العربية بأربعة مؤلفات غير مسبوقة هي: أفلاطون، وأرسطو، وربيع الفكر اليوناني، وخريف الفكر اليوناني، ولا تزال إلي يومنا هذا من عمد المراجع في الفلسفة اليونانية".
    توفي الفيلسوف والمفكر المصري المثير للجدل عبد الرحمن بدوي عن عمر يناهز 85 عاما، بعد عودته بأربعة أشهر من منفاه الاختياري في فرنسا إثر تعرضه لانتكاسة صحية، وأكدت مصادر طبية في "معهد ناصر" - أحد مستشفيات القاهرة - أن بدوي فارق الحياة صباح الخميس (25-7-2002).
    ولد بدوي في قرية شرباص شمال محافظة الدقهلية 1917، وكان تسلسله الخامس عشر في عائلة عمدة البلدة من بين 21 شقيقا وشقيقة، وبدأ بدوي تعليمه في مدرسة السعيدية بالجيزة التي اشتُهرت بأنها مدرسة أبناء الأثرياء والوجهاء، والتحق بدوي بجامعة القاهرة عام 1934، حيث درس الفلسفة نظرا لإعجابه الشديد بالمفكر طه حسين، ونشأت بينهما علاقة صداقة استمرت حتى وفاة الأخير عام (1973).
    وفور عودته من بعثة رسمية إلى ألمانيا والنمسا عام 1937م تم تعيينه معيدا بقسم الفلسفة جامعة القاهرة التي قدم فيها رسالة الماجستير حول "الموت في الفلسفة المعاصرة"، وحصل بدوي على الدكتوراه عام 1944م، وكانت رسالته "الزمن الوجودي" التي علق عليها طه حسين أثناء مناقشته لها قائلا: "أشاهد فيلسوفا مصريا للمرة الأولى".
    وعرض في الرسالة مذهبه في الفلسفة الوجودية، لكنه لم يضف عليه كثيرا في كتبه اللاحقة، التي تجاوزت 120 كتابا تأليفا وترجمة، وكانت أكثر مؤلفات بدوي إثارة للجدل كتابه الأخير "مذكرات عبد الرحمن بدوي" الذي كتبه قبل عودته من فرنسا التي قصدها في 1962 بعد أن جردت ثورة 23 يوليو عائلته من أملاكها.
    وقد هاجم المفكر الراحل النظام المصري إبان حكم الرئيس المصري الأسبق جمال عبد الناصر وسخر من الجميع، موجها لهم انتقادات شتى، وعلق بدوي بأسلوب ساخر على حجم المشاركة الجماهيرية الكبير في تشييع جنازة عبد الناصر بأن هذا "أمر عادي ولا يمت بصلة إلى وجود علاقة حب بين المصريين وعبد الناصر"، مشيرا إلى أن "هذه هي طبيعة شعب هوايته المشي في الجنازات".
    كما اتهم رموزا سياسية منها سعد زغلول بالعمالة للبريطانيين، وطه حسين بالعمالة للأجهزة الأمنية، واعتبر الطلاب جواسيس على بعضهم البعض، مشيرا إلى أن قيام عبد الناصر بتأميم قناة السويس كان سعيا وراء الشهرة.
    ومن أشهر كتب بدوي "تاريخ الإلحاد في الإسلام" الذي تطرق فيه إلى تاريخ المشككين في التاريخ الإسلامي مثل الفيلسوف الراوندي, وعالم البصريات الحسن بن الهيثم إبان العصر العباسي، وكتابي "نيتشه" و"التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية"
    مؤلفات عبد الرحمن بدوى:
    التراث اليوناني في الحضارة الإسلامية - تاريخ الإلحاد في الإسلام- شخصيات قلقة في الإسلام - الإنسانية والوجودية في الفكر العربي - أرسطو عند العرب - المثل العقلية الأفلاطونية - منطق أرسطو في 5 أجزاء - رابعة العدوية - شطحات الصوفية (أبو يزيد البسطامي) - روح الحضارة العربية - الإنسان الكامل في الإسلام - التوحيدي: الإشارات الإلهية - مسكويه: الحكمة الخالدة - فن الشعر لأرسطو وشروحه العربية - الأصول اليونانية للنظريات السياسية في الإسلام - في النفس لأرسطوطاليس - ابن سينا: عيون الحكمة - ابن سينا: البرهان من الشفاء - الأفلاطونية المحدثة عند العرب - أفلوطين عند العرب - المبشر بن فاتك: مختار الحكم - فلهوزن: الخوارج والشيعة - مؤلفات الغزالي - أرسطوطاليس: الطبيعة - الغزالي: فضائح الباطنية - أسين بلاتيوس: ابن عربي - دور العرب في تكوين الفكر الأوربي - مؤلفات ابن خلدون - مذاهب الإسلاميين - أبو سليمان المنطقي: صوان الحكمة - أفلاطون في الإسلام - حنين بن إسحق: آداب الفلاسفة. (موقع: "إسلام أون لاين" بتصرف).
    2) الإمام محمد عبده:

    (مقال للدكتور عاطف العراقي أستاذ الفلسفة بكلية الآداب - جامعة القاهرة، من موقع: "الديموقراطية").
    (ولد عام 1849)، حياته الفكرية كانت ثراء بغير حدود، ومن يطلع علي العديد من الكتب والرسائل والمقالات التي تركها لنا الإمام محمد عبده يدرك تمام الإدراك أننا في عالمنا العربي في أَمَسِّ الحاجة وحتي في أيامنا الحالية إلى الاستفادة من آرائه، ومن الفتاوي التي أصدرها، ومن اهتمامه بتأويل النص الديني حتي يتفق وروح العصر، أي متطلبات الأيام التي نعيشها.

    ترك لنا الشيخ محمد عبده العديد من الكتب والرسائل ومن بينها علي سبيل المثال لا الحصر، رسالة التوحيد، والإسلام دين العلم والمدنية، وتفسير جزء من القرآن الكريم، ومجموعة من النصائح والأمثال والتي تكشف عن غزارة اطلاعه وتأمله الدقيق.
    وكانت حياة الشيخ محمد عبده -كما قلنا- غاية في الثراء الفكري والنشاط الثقافي والاجتماعي. نجد هذا كله واضحا غاية الوضوح طوال السنوات التي عاشها سواء في مصر، أو في فرنسا.

    صحيح أنه من الصعب أن نطلق علي محمد عبده لفظة الفيلسوف بالمعني الاصطلاحي الدقيق، إلا أنه ترك لنا العديد من الآراء التي تجعله مجددا من الطراز الأول ومفكرا لا تخلو كتاباته من الروح الفلسفية، وليرجع القاريء إلي موضوع كتابه (الإسلام دين العلم والمدنية)، وإلي دراسته لمشكلات فلسفية وفكرية لا حصر لها كمشكلة الحرية ومشكلة الخير وإلي آرائه في مجال الإصلاح الأخلاقي وتفسير القرآن الكريم، وإصلاح الأزهر، وسيجد ذلك كله واضحا كل الوضوح.
    ولسنا في حاجة إلي القول بأن الإمام محمد عبده قد ترك لنا مدرسة فكرية ليس في مصر وحدها، بل في العديد من البلدان العربية الإسلامية. وكم نجد آراءه تتردد بلا انقطاع وحتي أيامنا الحالية عند كثير من مفكرينا شرقا وغربا ، وبصورة مباشرة تارة أو غير مباشرة تارة أخري، وهذا إن دلنا علي شيء فإنما يدلنا علي بصماته القوية علي خريطة فكرنا العربي الإسلامي المعاصر. ومن يحاول إهمال أو تغافل دوره الخلاق المبدع، فإن وقته يعد ضائعا عبثا .

    وآراء الشيخ محمد عبده تدلنا بوضوح علي أن مفكرنا كان صاحب نظرة تجديدية، والمجدد ينظر دائما إلي الإمام وإلي المستقبل، وذلك علي العكس من المقلد والذي ينظر إلي الماضي ويبكي علي الأطلال.

    إن النظرة التجديدية لا تقوم علي رفض التراث جملة وتفصيلا ، ولا تقوم أيضا علي الوقوف عند التراث كما هو ودون بذل أية محاولة لتأويله وتطويره، بل أن النظرة التجديدية تعد معبرة عن الثورة من داخل التراث نفسه، إنها إعادة بناء التراث وبحيث يكون متفقا مع العصر الذي نعيش فيه. فالتجديد إذن هو إعادة بناء Reconstruction، ولا يعد التجديد تمسكا بالبناء القديم لمجرد أنه قديم، وبصورته التقليدية، كما لا يحمل في طياته هدما أو رفضا مطلقا للتراث، إذ قد نجد في التراث العديد من الأفكار البناءة التي تعد أكثر حيوية من بعض آراء المعاصرين في العديد من المجالات.
    إننا نجد الدعوة إلي إعادة البناء واضحة تمام الوضوح عند كثير من المفكرين من أبناء أمتنا العربية ومن بينهم مفكرنا الشيخ محمد عبده. وهذا يدلنا علي أن الإمام محمد عبده إنما كان يدرك تمام الإدراك أن العيب ليس في التراث، ولكن العيب في النظرة إلي التراث من خلال منظور تقليدي رجعي لا يتماشي مع العصر.

    يجب إذن أن نضع هذا في اعتبارنا ونحن نتحدث بعد وفاته بقرن من الزمان، حتي نستطيع إدراك الجهد الكبير الذي قام به الشيخ محمد عبده. ويكفيه فخرا أنه كان من خلال كتبه ورسائله مدافعا عن العقل إلي حد كبير، العقل الذي يعد أشرف جزء في الإنسان، والذي عن طريقه استطاع مفكرنا تأويل النصوص الدينية، تأويلا معبرا عن الاجتهاد، وسعة الاطلاع والرغبة في اكتشاف الحقيقة.
    نجد هذا واضحا غاية الوضوح في العديد من الكتب والرسائل التي تركها لنا محمد عبده ومن بينها مقالاته في العروة الوثقي، وحاشيته علي شرح الدواني لكتاب العقائد العضدية للايجي، ورسالة التوحيد، وتقرير في إصلاح المحاكم الشرعية، والإسلام والرد علي منتقديه، والإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، وحديثه الفلسفي مع الفيلسوف الانجليزي هربرت سبنسر، وتفسيره لسورة العصر، وسورة الفاتحة، وتفسير جزء عم، وتفسير المنار الذي أكمله رشيد رضا، ودروس دار الإفتاء، بالإضافة إلى فتاواه.

    لهذا كله لم يكن غريبا أن يهتم العديد من المفكرين والمؤلفين سواء كانوا من العرب أو كانوا من الأوروبيين بالكتابة عن مفكرنا الكبير محمد عبده ودراسة أفكاره، ومن بينهم، : محمد رشيد رضا، ومصطفي عبدالرازق، وعثمان أمين، وأحمد لطفي السيد، وعباس العقاد، ومحمد بخيت، ومنصور فهمي، وحافظ إبراهيم، وأحمد أمين، ومحمد مصطفي المراغي، وماكس هورتن، وشارل آدمز، وشاخت، وجولد زيهر، وجومييه .. إلي آخر هؤلاء المفكرين والباحثين والدارسين.
    لقد خاض محمد عبده الكثير من المعارك الفكرية وكان له من الأعداء أكثر بكثير من الأصدقاء، وكان هذا شيئا متوقعا ، إذ أننا في كل عصر وكل مكان، إذا كنا نجد دعاة للنور، فإننا نجد أيضا خفافيش الفكر والذين يؤثرون الظلام، ولا تقوي أبصارهم علي مواجهة النور والضياء. وإذا كنا نجد دعاة للإصلاح والتجديد والتقدم إلي الأمام، فإننا نجد أيضا دعاة الجمود والانغلاق والرجعية والصعود إلي الهاوية. وإذا كنا نجد أناسا من المفكرين في هذا العصر أو ذاك من العصور يطلبون منا التمسك بالعقل وجعله المرشد والدليل في حياتنا، والاعتصام بالعلم، فإننا نجد بجوارهم أهل الخرافة والرجعية والشعوذة واللاعقلانية.
    بحث الشيخ محمد عبده في العديد من الموضوعات التي تعد بالغة الأهمية. لقد بحث في موضوع الدين والمتدينون، وبين لنا أن الله تعالي خلق الإنسان عالما صناعيا ، وهو يعني بذلك أثر البيئة علي الإنسان لو ترك العمل ساعة من الزمن، وبسط كفيه للطبيعة ليستجديها نفسا من حياة، لما تمكن من ذلك، بل انتهي إلي حالة العدم، بل إننا إذا انتقلنا من الأفعال المادية إلي الأحوال النفسية من الإدراك والتعقل والملكات والانفعالات الروحية، فإننا نجد أيضا أثر البيئة عليه. إن شجاعته وجبنه وجزعه وصبره وكرمه وبخله وشهامته ونذالته وقسوته ولينه وعفته وشرهه، كل ذلك يعد نابعا من تربيته الأولي وأثر المحيطين به كالآباء والأمهات. ومعني هذا أنه يعد ثمرة ماغرس ونتيجة لما كسب، فهو مصنوع يتبع مصنوعا ، وإنه في عقله وصفات روحه يعد عالما صناعيا . والنتيجة التي يمكن استخلاصها من هذا الرأي الذي يقول به محمد عبده، إنه لابد من التأكيد علي أهمية الفعل الإنساني. إن الإنسان يعد حرا ولا يعد مجبرا . إنه لا يصح للإنسان أن يذهب إلي القول بأن الطبيعة هي التي أجبرته، بل إن الإنسان لديه القدرة والفاعلية.
    avatar
    حميد

    البلد : الجزائر
    عدد المساهمات : 102
    نقاط : 158
    تاريخ التسجيل : 30/05/2011
    العمر : 28

    رد: مقياس : مدخل الى الفلسفة

    مُساهمة من طرف حميد في الأربعاء أكتوبر 17, 2012 7:43 pm

    وإذا كان الله تعالي قد خلق الإنسان عالما صناعيا ، فيما يذهب محمد عبده، فإن الدين فيما يقول يعد وضعا إلهيا . إنه سلطان الروح ومرشدها إلي ما تدبر به نفسها.
    ويثير محمد عبده الكثير من الأسئلة والتي يحاول عن طريقها معرفة أسباب تخلف المسلمين في عصره، في حين أننا في الماضي كنا نتمتع بالقوة والمجد والازدهار. ولا تخلو عباراته من نغمة حزن وأسف علي ما وصلنا إليه الآن. إنه يتساءل قائلا : هل استبدت الأبدان وسيطرت علي الأرواح? هل انقطعت الصلة بين الأسباب ومسبباتها? لقد كان للمسلمين إنجازاتهم في الماضي، لقد قاموا بالعديد من الأعمال التي بهرت الأبصار وأدهشت الألباب.

    ويحاول محمد عبده تحديد الأسباب التي أدت إلي ضعف المسلمين. لقد ظهر بين المسلمين رجال ارتدوا الزي الديني، ولكنهم قالوا بالكثير من البدع التي لا صلة لها بالدين. لقد انتشر بين المسلمين الإيمان بالجبر، وأدي هذا إلي سخريتهم من العمل والكفاح.
    ونجد في آراء محمد عبده الكثير من الجوانب الإيجابية والصادقة تماما ، ومن بينها أهمية الدعوة إلي الحرية والابتعاد عن القول بالجبر، وأيضا تفرقته بين الدين في أساسه وأصوله وأحكامه، وبين ما نجده شائعا عند بعض الناس والذين لم يفهموا الإسلام فهما صادقا ودقيقا . إن الإسلام لم يكن دعوة إلي الضعف والتواكل. بل دعوة إلي القوة.

    والواقع أن محمد عبده في آرائه هذه، كان متسلحا بالشجاعة والصبر والمناقشة المستفيضة لكل حجة من حجج الخصوم. ويحلل محمد عبده في الكثير من كتبه، العديد من الأسس والأصول بديننا الحنيف، وهذه الأصول هي: النظر العقلي لتحصيل الإيمان، تقديم العقل علي ظاهر الشرع عند التعارض، الاعتبار بسنن الله في الخلق، قلب السلطة الدينية والإتيان عليها في أساسها، حماية الدعوة لمنع الفتن، مودة المخالفين في العقيدة، الجمع بين مصالح الدنيا والآخرة.
    والمتأمل في دراسة الشيخ محمد عبده لهذه الأصول، يدرك سعة أفقه وعقليته النقدية الدقيقة. كما يدرك تمام الإدراك أننا الآن في أمس الحاجة إلي مثل تلك الآراء سواء في حياتنا الفكرية أو حياتنا الاجتماعية السياسية، كما يدرك تماما أن العيب ليس في الدين، ولكن في الفهم الخاطيء لهذا الدين.
    لقد ذهب محمد عبده في دراسته لأصول الإسلام إلي أن الإسلام قد أطلق للعقل البشري أن يجري في سبيله الذي سنته له الفطرة بدون تقييد، وأن الإسلام قد عمل علي هدم السلطة الدينية ولم يجعل لأحد سلطانا علي عقيدة أحد، وأن من حق كل مسلم أن يفهم القرآن بعد دراسته لبعض العلوم التي تتصل به كقواعد اللغة العربية والناسخ والمنسوخ. ومن الواضح أننا الآن وأكثر من أي وقت مضي في أمس الحاجة إلي أقوال محمد عبده، وذلك لوضع الأمور في نصابها وفهم الدين فهما صحيحا ، لقد تحول الدين عند مجموعة من الناس إلي نوع من التجارة، وأصبح بعض المشايخ الآن لا يقولون كلمة في مجال الدين ولا حتى نصيحة من النصائح الدينية، أو فتوى من الفتاوى إلا بدفع الثمن مقدما ، وكأن الدين قد أصبح من أملاكهم الخاصة ولا يجوز لأحد أن يشاركهم فيه وإلا أصبح كافرا وصدر عليه حكم بالمروق والإلحاد، لقد قال محمد عبده في معرض دراسته لأصل من أصول الإسلام: إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر في مائة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل علي الإيمان، ولا يجوز حمله علي الكفر.

    ويبين لنا الشيخ محمد عبده أن الخليفة عند المسلمين ليس بالمعصوم, ولا هو مهبط الوحي, ولا من حقه الاستئثار بتفسير الكتاب والسنة، إذ ليس في الإسلام -كما يكرر دائما - سلطة دينية سوي سلطة الموعظة الحسنة والدعوة إلي الخير والتنفير من الشر.
    وإذا كان الشيخ محمد عبده قد بحث في أصول الإسلام، وبين لنا من خلال بحثه في أكثر من كتاب من كتبه، أن الإسلام يدعونا إلي النظر والتفكير، فإننا نجده يبحث أيضا كتأييد لما يقول به - في اشتغال المسلمين بالعلوم الأدبية والعقلية.

    ويبين لنا الشيخ الإمام كيف اهتم المسلمون والعرب اهتماما لا حدَّ له بالعلوم الأدبية، وبعد مرور عشرين عاما علي وفاة الرسول صلي الله عليه وسلم. كما اهتموا بالعلوم الكونية وخاصة أيام الدولة العباسية عند أمثال المنصور وهارون الرشيد والمأمون، كما اهتم المسلمون بإنشاء دور الكتب سواء في بلدان المشرق العربي أو في بلدان المغرب العربي، بالإضافة إلي إنشاء المدارس للعلوم والتي انتشرت في كل الأقطار في المغول والتتار من جهة المشرق، ومراكش وفارس من جهة المغرب. كما يشير محمد عبده إلي أهمية العلوم العربية، وكيف كان علم العرب في أول الأمر يونانيا ثم أصبح عربيا ، وأن أول شيء تميز به فلاسفة المسلمين عمن سواهم من فلاسفة الأمم هو بناء معارفهم علي المشاهدات والتجربة، وألا يكتفوا لمجرد المقدمات العقلية في العلوم ما لم تؤيدها التجربة.
    ويبين لنا أيضا أن سلوك بعض المسلمين والمعادي للعلم والفلسفة والفكر بوجه عام، لا يصح أن يتخذ دليلا علي أن العيب في الدين، لقد كان ينشر بالجرائد -فيما يقول محمد عبده- العديد من المقالات التي تستهجن إدخال علم الجغرافيا التي يتلقاها طلبة الجامع الأزهر، وكان كتاب تلك المقالات يقومون بالهجوم على من أشار بإدخال هذا العلم وغيره بين تلك العلوم التي تدرس بالأزهر. ومن الواضح أن محمد عبده يشير إلي نفسه لأنه من أنصار تعليم هذه العلوم، وقد وجدت آراؤه معارضة شديدة من جانب بعض المشايخ والذين هم أعداء لكل مخالف لما هم عليه من التقليد والتزمت، أنه إذا قيل لطلبة الأزهر بأنه ينبغي دراسة بعض مباديء الطبيعة والتاريخ الطبيعي، فإن هؤلاء المشايخ -فيما يقول محمد عبده- يصيحون أجمعين: هذا عدوان علي الدين، هذا توهين لعقده المتين، هذا تغرير بأهله المساكين.

    والواقع أننا نجد عند مفكرنا الشيخ محمد عبده في هذا المجال دعوة إلي الانفتاح علي العلوم الأخري، حتي لو كانت من العلوم غير الدينية، أي غير المرتبطة ارتباطا مباشرا بالعلوم الدينية الشرعية. وهذه الدعوة من جانب محمد عبده تعد دعوة ممتازة رائعة. إذ نلاحظ أن بعض الناس وحتي يومنا هذا للأسف الشديد ونحن في القرن الحادي والعشرين، يقومون بالهجوم علي العلم وعلي الحضارة القائمة علي العلم، إنهم يتناقضون -فيما أري تناقضا شديدا - إنهم يهاجمون الحضارة الغربية وفي نفس الوقت يكونون من أكثر المستفيدين منها عبر استخدام ثمرات العلم الحديث.
    والواقع أنه أكثر الآراء التي تركها لنا مفكرنا محمد عبده تدلنا علي أنه كان سابقا لعصره وتدلنا علي أنه كان يتمتع بعقلية نقدية دقيقة من النادر أن نجد مثيلا لها في عصره. وكم نجد في كتاباته العديد من الدروس التي نحن في أمس الحاجة إليها الآن.

    لقد دخل الشيخ محمد عبده تاريخ فكرنا المعاصر من أوسع الأبواب وأرحبها، ومن حقنا أن نفخر به ومن واجبنا دراسة أفكاره وسبر أغوارها، لأنه علامة مضيئة في تاريخنا الفكري المعاصر ورائدا من الرواد الكبار الذين سعوا إلي التجديد، إلي إنارة الطريق أمامنا، إلي الربط بين الفكر والعمل، إلي النظرة نظرة مستقبلية إلي حد كبير، لقد دعانا إلي استخدام عقولنا، بين لنا أنه من الضروري التمسك بالعلم، وبالطريق العلمي، بين لنا أن النور يرتبط بالوجود، وأن الظلام يرتبط بالعدم والفناء، تماما كما قال ابن سينا في مناجاته لله تعالي: فالق ظلمة العدم بنور الوجود هذه سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا .
    3) محمد إقبال:
    يعد محمد إقبال من أبرز مفكري الإسلام في العصر الحديث, وتمتاز كتاباته على الرغم من قلتها بالعمق والشمول, فإنتاجه الفكري الوحيد عبارة عن مجموعة من المحاضرات ألقاها في الجامعات والمدارس في (حيدر أباد) و(عليكرة) وجمعها في كتابه الفريد (تجديد الفكر الديني في الإسلام), يضع إقبال في بداية كتابه هدفا يبدو غريبا على المجال التداولي الإسلامي في زمنه ألا وهو:
    محاولة بناء الفلسفة الدينية الإسلامية بناء جديدا, آخذا بالاعتبار المأثور من فلسفة الإسلام إلى جانب ما جرى على المعرفة الإنسانية من تطور في نواحيها المختلفة, ويأمل أن يأتي يوم ليس بعيدا, يكشف فيه كل من الدين والعلم اتفاقا متبادلا بينهما لم يكن حتى اليوم منتظرا. (موقع: "الغد").
    توطئة
    إذا كان للداعية المصلح أسلحته الحاسمة في ميدان الجهاد ووسائله الصادقة في إقناع الجماهير بما يقول، وفي شدهم إلى الطريق الذي يرجو أن يسلكوه، فقد شاء الله أن يكون الشعر هو أمضى أسلحة محمد إقبال، وأكثرها نفاذًا في القلوب, وأعظمها تأثيرًا في النفوس.
    صنع بشعره صنيع الأبطال العظماء من القادة والفاتحين، حين أنشأ أمة بقلمه لا بسيفه، وبلسانه لا بجيشه، فقاد الجماهير المسلمة في شبة القارة الهندية إلى إنشاء دولة إسلامية منفصلة عن الهند، لها مثلها الثابتة ودستورها الخاص.. وتحقق الحلم وظهرت باكستان على أرض الإسلام دولة فتية وأمة عزيزة.
    • النشأة والتكوين
    وُلد محمد إقبال في بلدة (سيالكوت) بإقليم البنجاب، أحد أقاليم شبه القارة الهندية في "24 من ذي الحجة 1289 هـ = 22 من فبراير 1873م"، ونشأ في أسرة مسلمة متوسطة الحال، معظم أفرادها يشتغلون بالزراعة، وينتمون إلى سلالة البراهمة، نزلت منذ ثلاثة قرون عن امتيازاتها الوفيرة ومنماوالتها المرموقة بين الطبقات الهندوسية واعتنقت الإسلام، وكان والد إقبال رجلاً صالحًا يغلب عليه التصوف.
    حفظ إقبال القرآن الكريم في الصغر، وحرص أبوه على أن تكون قراءة ابنه للقرآن قراءة وعي وتدبر وفهم تؤدي إلى العمل به والاهتداء بهديه، وكان يقول له: "يا بني اقرأ القرآن كأنه نماوال عليك"، ويقول إقبال تعقيبًا علي هذه الوصية العظيمة بقوله : "ومنذ ذلك اليوم بدأت أتفهم القرآن، وأقبل عليه، فكان من أنواره ما اقتبست, ومن بحره ما نظمت".
    تلقى إقبال مبادئ العلوم في مدرسة إنجليزية ببلدته "سيالكوت"، وبعد أن أنهى دراسته بها التحق بمدرسة البعثة الأسكتلندية للدراسة الثانوية، وتلقى فيها أصول اللغتين: الفارسية والعربية على أحد أصدقاء أبيه ويدعى "ميرحسن" وكان أستاذًا متمكنًا في آداب هاتين اللغتين، قام بتشجيع تلميذه على قرض الشعر والكتابة باللغة الأُردية، لما توسم فيه من نجابة وذكاء.
    ثم دخل إقبال جامعة (لاهور)، وأظهر تفوقًا في اللغتين العربية والإنجليزية، ونال درجتي الليسانس والماجستير في الفلسفة، وفي لاهور توثقت صلته بالمستشرق الإنجليزي "السير توماس أرنولد" صاحب كتاب "الدعوة إلى الإسلام"، وكان أرنولد شديد الإعجاب بمواهب تلميذه وإنتاجه الشعري، ولذلك طلب منه أن يقوم بدلاً منه بمهمة التدريس في جامعة لندن في فترة من الدراسة الجامعية سنة "1323 هـ = 1905م".
    وهناك اتصل بكثيرين من أهل العلم، ثم رحل إلى ألمانيا، وحصل من جامعة (ميونخ) على الدكتوراة في الفلسفة برسالة قدمها عن تطور الفكر الفلسفي في إيران، ثم عاد إلى لندن، والتحق بمدرسة الاقتصاد والسياسة بجامعة لندن، ونال درجة في القانون، ثم عاد إلى الهند سنة "1326 هـ = 1908م".
    • الدعوة إلى قيام دولة إسلامية
    ولما عاد إقبال إلى وطنه اشتغل بالشعر والفلسفة والسياسة، وانتخب عضوًا بالمجلس التشريعي بالبنجاب سنة "1345 هـ = 1926م"، واختير رئيسًا لحرب مسلمي الهند، ورئيسًا لجمعية حماية الإسلام التي كانت تشرف على عدد من المؤسسات الدينية والاجتماعية، ولبث زمنًا طويلاً يلقي المحاضرات في أرجاء الهند.
    ويُعد محمد إقبال أول من نادى بضرورة انفصال المسلمين في الهند عن الهندوس، وتأسيس دولة خاصة بهم يحيون فيها الحياة التي تتمشى مع تعاليم الدين الحنيف، ومنذ أن أعلن إقبال هذه الفكرة سنة "1349 هـ = 1930م" حتى أصبحت الهدف الأول الذي جاهد المسلمون في الهند لتحقيقه، إلى أن تمّ لهم إنشاء دولة باكستان في سنة "1367 هـ = 1947م" بعد نضال متصل وكفاح مستمر، اشترك فيه جميع المسلمين هناك تحت قيادة "محمد علي جناح".
    تجديد الفكر الإسلامي
    دعا إقبال إلى تجديد الفكر الإسلامي، وذلك في سلسلة من المحاضرات ألقاها باللغة الإنجليزية سنة "1347 هـ 1928م"، ثم نشرها سنة "1353 هـ = 1934م" بعنوان "تجديد بناء الفكر الديني في الإسلام، نادى فيه إلى فتح باب الاجتهاد، للكشف عن الحقائق الأصيلة في الإسلام، مثل: الحرية والاتحاد والمساواة والاجتماع، فالاجتهاد هوالوسيلة العملية الملائمة للتوفيق بين أحداث الحياة المتجددة وبين مباديء الإسلام، حتى لا تسير الحياة الإنسانية في المجتمع الإسلامي منعماوالة عن الدين، وكان يرى أن إبطال الاجتهاد كان من أقوى الأسباب التي أدت إلى ضعف المسلمين.
    وفي حديث إقبال عن الإجماع باعتباره أصلاً من أصول الشرع الإسلامي يقول: "والأصل الثالث من أصول الشرع الإجماع، وهو عندي أعظم السنن الشرعية، وعجيب أن هذه السنة الرشيدة نالت كثيرًا من بحث المسلمين وجدالهم، ولكنها لم تعدُ التفكير إلى العمل، وقلَّمَا صارت سنة عملية في بلد إسلامي، ولعل اتخاذها سنة دائمة ونظامًا محكمًا لم يلائم مطامع المُلك المطلق الذي نشأ في الإسلام بعد الخلفاء الراشدين..، ولعل ترك الاجتهاد لأفراد من المجتهدين كان أقرب إلى منافع الخلفاء من بني أمية وبني العباس من تأليف جماعة دائمة عسى أن تفوقهم قوة..، ومما يبعث على الرضا والأمل أن سيرة الحوادث في هذا العصر وتجارب أمم أوربا أشعرت الفكر الإسلامي الحديث بقيمة الإجماع وعرفته أنه ممكن، وشيوع النزعة الجمهورية ونشوء المجالس التشريعية يمهدان السبيل إلى العمل بسنة الإجماع.
    وكانت فلسفة إقبال في جوهرها ذات طابع إسلامي عميق، فهي تدعو إلى تمجيد الإسلام وبعث الحياة والقوة في المسلمين، وتبشرهم بمستقبل زاهر ومجد وفخار إذا ساروا في حياتهم علي هَدْي دينهم الحنيف، وكان إقبال لا يسأم من الدعوة إلى النهوض والتشمير وحث الخطى على مواصلة السير مع القافلة، "فالغاية القصوى للنشاط الإنساني هي حياة مجيدة فتية مبتهجة، وكل فن إنساني يجب أن يخضع لتلك الغاية، وقيمة كل شيء يجب أن تُحدد بالقياس إلى تلك القوة على إيجاد الحياة وازدهارها، وأعلى فن هو الذي يوقظ قوة الإرادة النائمة فينا، ويستحثنا على مواجهة الحياة في رجولة، وكل ما يجلب إلينا النعاس، ويجعلنا نغمض عيوننا عن الحقيقة الواقعة فيما حولنا إنما هو انحلال وموت".
    وقد تغنى إقبال بعزيمة المسلم فقال:
    يبتسم المسلم في سلمه عن دقة الماء ولين الحرير
    وتبصر الفولاذ في عزمه إذا دعا الحرب ونادى النفير
    ويقول أيضًا:
    يمشي على الأشواك والنار والسيف ويمضي ساخرًا بالعذاب
    فهو ترابي ولكنه حرٌّ طليق من قيود التراب
    ويرفض إقبال أن يكون المسلم المعاصر صورة مكررة من الرجل الأوربي الحديث؛ لأن الأخير قد طغت عليه نتائج نشاطه العقلي الصِّرف، وأعماه ذلك عن توجيه روحه توجيهًا سليمًا إلى حياة تشبع أعماق نفسه وتحقق له التوازن المطلوب، وأصبح ينكر ما هو غيبي ويراه وهمًا، ويجد نفسه في أغلب الأحيان عاجزًا عن ضبط أنانيته وشهواته، ومأخوذًا بسحر المادة، يتكالب عليها تكالبًا لا يعقبه إلا الحسرة والشقاء، وكان إقبال شديد الإيمان بأن للدين الأهمية الكبرى والأثر الفعال في توجيه حياة الفرد والجماعة علي حد سواء.
    ورسالة الإسلام عند إقبال رسالة إنسانية ليس لها حدود زمانية أو مكانية، وأن به قوة كامنة تستطيع أن تحرر نفوس البشرية من قيود الأجناس، والألوان والعصبيات، وخلاصة هذه الرسالة هي إقرار الحرية وتدعيم العدالة، وتوطيد المحبة بين البشر.
    • محاربة التصوف الإنسحابي
    رأى إقبال أن الصوفية الهندية الحالمة، والصوفية الإسلامية المتواكلة قد كان من أثرهما في المسلمين نشر اليأس والاستسلام، والهروب من الدنيا، والقعود عن العمل والإقدام، فنهض إقبال المصلح لمحاربة هذه الفلسفة التي ترادف الضعف والفناء، وعارضها بفلسفة جديدة تبشر بالقوة والتفاؤل والنماء، أو ما أطلق عليها بتقدير الذات.
    والشخصية عند إقبال حالة فريدة من التجلد والجهد أمام المكاره، ولما كانت بهذا هي أثمن ما يحققه الإنسان، فقد وجب عليه أن يدأب علي الصمود للأحداث وركوب الأخطار، وتجنب مزالق التواكل والاسترخاء، وكل ما يجعلنا نمضي إلى السعي وضبط النفس ومغالبة العوائق والصعاب إنما ييسر لنا الانخراط في سلك الحياة الخالدة.
    والحياة حركة دائمة، جوهرها استمرار خلق الرغبات والمثل العليا، وأكبر عقبة تعترض طريق الحياة هي المادة والطبيعة، ومع ذلك فالمادة ليست شرًا، وإنما هي وسيلة لإبراز ما في الحياة من قوىً كامنة، وتصل الذات إلى التحرر والانطلاق بإزالة جميع العوائق التي تعترض سبيلها، وهي تصل إلى حرية أتم وأكمل إذا اقتربت من الفرد الأعلى الذي هو مبرأٌ من كل قيْد وهو الله سبحانه وتعالى.
    • موقفه من الوطنية
    جاهر إقبال برأيه في الوطنية، وأعلن أنها دخيلة على مبادئ الإسلام، إذ أن الإسلام كله وطن، وأن الهندي أخ المغربي والفارسي والعربي والإفريقي والأوربي إذا جمعتهم عقيدة واحدة، وهي عقيدة الدين، فهي أقوى العقائد، ولن يقوم مقامها ما يصطنعه الناس من حدود جغرافية تسيطر عليها الجبال والصحاري والأنهار أو تفرضها السياسة الغاشمة فرضًا، ويوضح موقفه القاطع من الوطنية بقوله: أنا لا أقبل الوطنية كما تعرفها أوربا، وليس إنكاري إياها خوفًا من أن تضر بمضالح المسلمين في الهند، ولكني أنكرها لأني أرى فيها بذور المادية الملحدة، وهي عندي أعظم خطرًا على الإنسانية في عصرنا، لا ريب أن الوطنية لها مكانها وأثرها في حياة الإنسان الأخلاقية، ولكن العبرة بإيمان الإنسان وثقافته وسننه التاريخية، هذه في رأيي الأشياء التي تستحق أن يعيش لها الإنسان ويموت من أجلها، لا بقعة الأرض التي اتصلت بها روح الإنسان اتفاقًا.
    • موقفه من حركة أتاتورك
    انتقد إقبال حركة كمال أتوتورك في تركيا الحديثة التي أدارت ظهرها للإسلام، وانسلخت تمامًا منه، ومن كل ما يتصل به، فألغت الخلافة ومنصب شيخ الإسلام، والحروف العربية التي كانت تكتب بها اللغة التركية، وعطلت المدارس الإسلامية، وعدَّ إقبال هذه الحركة نوعًا من التجدد القائم على رفض القديم برمته، والأخذ بكل جديد دون وعي، ووصف أتاتورك بأنه محروم من الإبداع والابتكار وأنه مقلد فحسب، وقد عبر عن ذلك بقوله: "إن زعيم تركيا لا يملك أغنية جديدة، وإنما هي أغان مرددة معادة تتغنى بها أوربا من زمان، إن الجديد عنده هو القديم الأوربي الذي أكل عليه الدهر وشرب، ليس في صدره نفس جديد، وليس في ضميره عالم حديث، فاضطر إلى أن يتجاوب مع العالم الأوربي المعاصر.. إنه لم يستطع أن يقاوم وهج العالم الحديث، فذاب مثل الشمعة وفقد شخصيته".
    • إقبال الشاعر
    كان إقبال شاعرًا مجيدًا في اللغة الفارسية مع أنها لم تكن لغته، لكنه اختارها لينظم بها أكثر انتاجه الشعري؛ لانتشارها الواسع بين المسلمين في شبه القارة الهندسية وآسيا الوسطى، كما نظم بعض دواوينه باللغة الأردية لغة وطنه..وقد استمد إقبال موضوعات شعره من قضايا أمته، واتسم بشيوع المضامين القائمة على الأفكار الكبرى كالبحث عن الحق والخير والحرية والمساواة مع الالتزام بمبادئ الإسلام.
    وقد ترجم الكاتب الكبير عبد الوهاب عزام عددًا من دواوينه إلى العربية، نقلها من الفارسية ونظمها شعرًا، وكذلك فعل محمد الصاوي شعلان، ومن شعره الذي ترجمه الشيخ شعلان:
    ملكنا هذه الدنيا القرونـا وأخضعها جدود خالدونـا
    وسطَّرنا صحائف من ضياء فما نسي الزمان ولا نسـينا

    وكنا حــين يأخذنا قويٌّ بطغيان ندوس له الجبينــا

    تفيض قلوبنا بالهدي بأسًـا فما تغضي عن الظلم الجفونا
    • مؤلفاته
    ترك محمد إقبال تراثًا أدبيًا وفلسفيًا احتل به مكانة مرموقة بين كبار الشعراء والفلاسفة في النصف الأول من القرن العشرين، ومن أهم مؤلفاته بالإنجليزية:
    - تطور الفكر الفلسفي في إيران، وقد ترجمه إلى العربية حسن الشافعي ومحمد السعيد جمال الدين، ونشر بالقاهرة سنة 1989م.
    - تجديد الفكر الديني في الإسلام، وترجمه عباس العقاد إلى العربية.
    ومن أشهر دواوينه: ديوان أسرار إثبات الذات، وديوان رموز نفي الذات، وديوان: رسالة المشرق، وديوان ضرب الكليم، وقد ترجم عبد الوهاب عزام هذه الدواوين إلى العربية.
    • وفاته
    وبعد حياة حافلة بالفكر والجهاد تُوفي محمد إقبال في "20 من صفر 1357 هـ = 21 من إبريل 1938م"، ودفن في لاهور، واتخذ أصدقاؤه قبرًا له في فناء المسجد الجامع "شاهي مسجد"، ثم كتبوا على ضريحه: "إن محمد نادر شاه ملك الأفغان أمر بصنع ذلك الضريح اعترافًا منه ومن الأمة الأفغانية بفضل الشاعر الخالد".
    • أهم المصادر
    محمد إقبال: ديوان الأسرار والرموز – ترجمة عبد الوهاب عزام – دار المعارف – القاهرة – 1956.
    عثمان أمين: رواد الوعي الإنساني في الشرق الإسلامي – الهيئة المصرية العامة للكتاب – القاهرة – 2001م.
    محمد رجب البيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين – دار القلم – دمشق – 1415 هـ = 1995م.
    أبو الحسن الندوي: روائع إقبال – دار القلم – الكويت – 1978م.
    معن زيادة: الموسوعة الفلسفية العربية "أعلام الفكر الإنساني" بيروت – 1997م. (موقع: "إخوان أون لاين").


    منقول
    avatar
    جيلالي

    البلد : ورقلة - الجزائر
    عدد المساهمات : 37
    نقاط : 47
    تاريخ التسجيل : 18/03/2011
    العمر : 29

    رد: مقياس : مدخل الى الفلسفة

    مُساهمة من طرف جيلالي في الجمعة أكتوبر 19, 2012 4:32 pm

    السلام عليكم و رحمة الله
    قائمة بجوث مقياس الفلسفة

    الاعمال الموجهة في الفلسفة
    مجموعة من البحوث
    - نشأة الفلسفة
    - مفهوم الفلسفة
    - مجالات الفلسفة
    - التفكير العلمي
    - خصائص التفكير الفلسفي
    - الفلسفة والدين
    - الفلسفة والعلم
    - الفلسفة والعلم
    - المذهب العقلي
    - المذهب التجريبي
    - المذهب النقدي
    - المذهب الوجودي
    - الظواهرية
    - المذهب المادي
    - المذهب الروحي
    - أخلاق المنفعة
    - أخلاق الواجب
    - المذهب الاجتماعي في الأخلاق
    - الديمقراطية
    - العولمة
    - حوار الحضارات
    - الخطاب عند محمد آركون
    - الحضارة عند مالك ابن نبي
    avatar
    حميد

    البلد : الجزائر
    عدد المساهمات : 102
    نقاط : 158
    تاريخ التسجيل : 30/05/2011
    العمر : 28

    رد: مقياس : مدخل الى الفلسفة

    مُساهمة من طرف حميد في الجمعة أكتوبر 04, 2013 3:53 pm

    ملخص كتاب مدخل الى الفلسفة للكاتب الاستاذ / عبدالجبار الرفاعي ..
    لكي يعطي للمبتديء نظرة شاملة ومبسطة عن الفلسفة .. وتعتبر هذه كمدخلية له .

    معنى الفلسفة

    لفلسفة لفظ استعارته العربية من اللغة اليونانيّة، واصله في اليونانية كلمة تتألف من مقطعين:
    فيلوس Philos وهو بمعنى (صديق أو محب)، والثاني هو سوفيا Sophia أي (حكمة)، فيكون معناها (محب الحكمة) .
    وبذلك تدل كلمة (الفلسفة) من الناحية الاشتقاقية على محبة الحكمة أو ايثارها، وقد نقلها العرب الى لغتهم بهذا المعنى فى عصر الترجمة .
    وكان فيثاغورس (572 ــ 497ق.م) أول حكيم وصف نفسه من القدماء بأنه فيلسوف، وعرَّف الفلاسفة بأنهم الباحثون عن الحقيقة بتأمل الاشياء، فجعل حب الحكمة هو البحث عن الحقيقة، وجعل الحكمة هي المعرفة القائمة على التأمل .
    وعلى هذا أضحى تعريف الفلسفة بأنها : العلم الذي يبحث فيه عن حقائق الاشياء على ما هي عليه بقدر الطاقة البشرية .
    تجدر الاشارة الى ان كلمة (الفلسفة) استُعملت في معاني متعددة عبر التاريخ، واتسع معناها في بعض المراحل ليستوعب العلوم العقلية بأسرها، فيما تقلص هذا المعنى في مراحل اخرى فاستُعمل عند البعض كما في التراث الاسلامي فيما يخص الفلسفة الأولى، التي تبحث عن المسائل الكلية للوجود التي لا ترتبط بموضوع خاص .
    الفلسفة والسفسطة
    وفي مقابل الفلسفة تستعمل كلمة (السفسطة) وهي تعني نوعاً من الاستدلال يقوم على الخداع والمغالطة، فقد كانت السفسطة عنواناً لتيار واسع حاول أن يعصف بالأسس المنطقية للتفكير الصحيح، وينكر أي واقع خارج اطار الذهن، ظهر عند اليونان في القرن السادس قبل الميلاد. بيد أن ظهور سقراط (469 ــ 399ق.م) فيما بعد ساهم بشكل فعّال في الإجهاز على هذا التيار، وإعادة الاعتبار لأسس التفكير والاستدلال الصحيح، واقتفى أثره تلميذه أفلاطون (427 ــ 347 ق.م) ثم جاء تلميذ الاخير أرسطو (384 ــ322ق.م) الذي كان صاحب الدور الريادي في تقنين ماتم اكتشافه من قواعد وأسس التفكير الصحيح، والتي صاغها فيما عُرِف بعد ذلك بـ (المنطق الأرسطي) .
    ومثلما فعل فيثاغورس من قبل فان سقراط أسمى نفسه بالفيلسوف أيضاً، ومنذ عصر سقراط اصبحت كلمة الفلسفة تستعمل دائماً في مقابل السفسطة، لانها تعني التعرف‏ على الحقيقة واكتشافها على ما هي عليه بالاسلوب البرهاني، خلافاً للسفسطة التي تنكر الحقيقة وتمارس تزييفاً للمعرفة يعتمد على الخداع والمغالطة .
    الفلسفة محور العلوم
    تعتبر الفلسفة عند القدماء محوراً لكافة العلوم الحقيقية أو المعارف العقلية، مما يرتبط بالطبيعة أو ماوراء الطبيعة منها، كالطبيعيات والرياضيات والالهيات، فانتظمت في اطارها تمام المعارف، ولم يشذ منها سوى المعارف التي تعبر عن مواضعات واتفاقات واعتبارات جعلها البشر، مثل النحو والصرف .
    أقسام الفلسفة
    لما كانت الفلسفة عند القدماء اسماً تندرج تحته المعارف العقلية بمجموعها، جرى تصنيف هذه المعارف الى نوعين رئيسيين، وهما :
    ***أولاً ـ العلوم النظرية، او الحكمة النظرية :
    وهي التي يطلب فيها استكمال القوة النظرية من النفس، بحصول العقل بالفعل، ويندرج تحتها :
    أ ـ الالهيات :
    وتسمى العلم الالهي، والعلم الأعلى، والعلم الكلي، والميتافيزيقيا (ماوراء الطبيعة)، والفلسفة الاولى، تمييزاً لها عن الرياضيات المسماة بالفلسفة الوسطى، وذلك لانها تقع في مرتبة متوسطة بين الطبيعيات والالهيات. وتعتبر الالهيات لدى القدماء اشمل وأوسع من غيرها من العلوم، مضافاً إلى انها برهانية ويقينية اكثر من غيرها .
    وتنقسم الالهيات الى :
    1 ـ الامور العامة :
    وهي العناوين والاحكام والصفات التي لاتختص بموجود دون سواه، وإنما تسري في جميع الموجودات، ويتصف بها الموجود بما هو موجود، ولايشترط ان يكون الموجود المتصف بها له ماهية معينة. وهي مثل : الحدوث والقدم، والوجوب والإمكان، فكل موجود إما ان يكون حادثاً او قديماً، وكل موجود إما ان يكون واجباً او ممكناً .
    مع العلم ان شمول هذه العناوين للموجودات تارة يكون بمعنى شمول كل واحد منها لكافة الموجودات. مثلما نلاحظ في الوجود والشيئيّة، وتارة يكون بمعنى شمول هذه المفاهيم للموجودات بنحو التقابل، كالوجوب والإمكان ، فان كل موجود لابد ان يكون مندرجاً تحت عنوان الواجب او الممكن .
    ويُعبَر عنها بـ (الاحكام العامة للوجود) و(الالهيات بالمعنى الاعم) .
    2 ـ معرفة الله :
    ويدور البحث فيها حول وجود الباري، وتوحيده، وصفاته، وما يرتبط بذلك من مسائل. وتسمى بـ (الالهيات بالمعنى الأخص) في مقابل (الالهيات بالمعنى الأعم) .
    ب ـ الرياضيات :
    وتسمى العلم الاوسط، والفلسفة الوسطى لوقوعها في مرتبة متوسطة في سُلَّم المعرفة بين (الالهيات) و(الطبيعيات)، وهي تنقسم الى :
    1 ـ الحساب .
    2 ـ الهندسة .
    3 ـ الهيئة .
    4 ـ الموسيقى .
    ج ـ الطبيعيات :
    وتسمى العلم الادنى، والفلسفة الدنيا، لانها تقع في ادنى المراتب في سُلَّم المعرفة، وفوقها تقع (الرياضيات)، فيما تكون (الالهيات) العلم الاعلى. وهي تبحث في احوال الاجسام الطبيعية، وتنقسم الى :
    1 ـ السماع الطبيعي :
    تعود هذه التسمية لكتاب (السماع الطبيعي لأرسطو) الذي عرفه المسلمون لاول مرة عبر السريان، وفي تسميته ما يشير الى ذلك، فان الاصل السرياني هو (شمعا كيانا) .
    والسماع الطبيعي اول ما يبحث عادة من الطبيعيات، وبكلمة اخرى هو اول ما يسمع منها، ويجري البحث فيه حول الاسباب والمبادئ للطبيعيات، وبيان احوال العلل المختلفة، والمادة والصورة، والحركة ومايرتبط بها من مسائل، والاجسام كمها وكيفها .
    2 ـ الفلكيات :
    الفلك عند القدماء جسم كروي الشكل، لاميل فيه، ثابت بكليته، متحرك باجرامه دوراناً. وهو بسيط لم يتركب من اجسام مختلفة في طبائعها، غير قابل للخرق، ذو نفس حيوانية، ونفس ناطقة .
    ويقوم مذهب القدماء في تفسير نظام خلق العالم‏ على اساس ان العقل الاول هو ما صدر من ذات الحق تعالى، ومن العقل خُلِق فلك الافلاك، وهكذا بقية الافلاك. وقد اعتبر الحكماء العالم الجسماني بعد عالم المجردات في نظام الخلقة، والعالم الجسماني مركباً من تسعة أفلاك متداخلة، أي يحيط بعضها بالآخر، وذهب بعضهم الى اعتبار فلك الافلاك هو مجموع الافلاك .
    3 ـ العنصريات :
    ويبحث فيها حول : طبقات الارض، والكائنات الجوية، والمعادن، وعلم النبات، وعلم الحيوان .
    بيد ان بعض الحكماء منذ عصر صدر المتألهين الشيرازي اعتبر الطبيعيات اربعة اقسام، وهي :
    1 ـ السماع الطبيعي .
    2 ـ الفلكيات .
    3 ـ العنصريات .
    4 ـ النفس .
    *** ثانياً ـ العلوم العملية، او الحكمة العملية :
    هي التي يطلب فيها اولاً استكمال القوة النظرية، بحصول العلم التصوري والتصديقي بأمور هي بأنها اعمالنا، ليحصل منها ثانياً استكمال القوة العملية بالاخلاق. وبكلمة اخرى:الحكمة المتعلقة بالامور العملية التي علينا ان نعلمها ونعملها تُسمى حكمة عملية، بينما الحكمة المتعلقة بالامور النظرية التي علينا ان نعلمها وليس علينا ان نعملها تسمى حكمة نظرية .
    وتنحصر العلوم العملية او الحكمة العملية في ثلاثة اقسام، هي :
    أ ـ الحكمة المدنية، او علم سياسة المدن وتدبير المجتمع :
    وهي تُعلِّم كيفية المشاركة التي تقع فيما بين أشخاص الناس ليتعاونوا على مصالح الابدان ومصالح بقاء نوع الإنسان .
    ب ــ الحكمة المنزلية، او علم تدبير المنماوال والعائلة :
    وهي تُعلِّم كيفية المشاركة التي ينبغي ان تكون بين اهل منزل واحد لتنتظم به المصلحة المنماوالية .
    ج ـ الحكمة الخُلقية، او علم الاخلاق :
    وهي تُعلِّم الفضائل وكيفية اقتنائها لتزكو النفس، وتُعلِّم الرذائل وكيفية توقيها لتتطهر عنها النفس .

    هذا هو التصنيف الذي اعتمده القدماء في بيان شجرة المعرفة، وما تشتمل عليه من فروع العلوم البشرية المتنوعة .
    ويعود تاريخ الهيكل الأساسي لهذا التصنيف الى عصر الفيلسوف اليوناني أرسطو، ثم تبناه وأكمله مَن جاء بعده من الحكماء، وربما اختلف معه غير واحد ممن تأخر عنه في تفاصيل وحدود هذا التصنيف، كما يظهر في قسم الطبيعيات من كتاب (الشفاء) لابن سينا مثلاً .
    أما الفلسفة الأوروبية الحديثة فقد تخلت عن هذا التصنيف وتبنت نموذجاً آخر في بيان شجرة المعرفة وتصنيف العلوم لا يتطابق مع ما تقدم .


      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد أغسطس 20, 2017 8:58 am